أعتذر لأنني قديم، لأنني ابن الصحافة الورقية التي كانت تكتب بدم الشرف، لا بحبر الأكاذيب، تربّيت على احترام الكلمة وحراسة الحقيقة، عاصرت العولمة وفضائحها لكنني لم أرَ يومًا الصحافة تبيع نفسها علنًا كما تفعل الآن، لم أرَ القلم يُساق إلى المذبح بيد صاحبه كما يحدث في زمن شات جي بي تي، هذا العصر الذي تحوّل فيه بعض الصحفيين إلى سماسرة كلمات، يقدّمون الوهم في علب لامعة، يخلطون الحقيقة بالكذب، ويتوارون خلف شعار “التقنية” ليبرروا خيانتهم.
نحن اليوم أمام خيانة مكتملة الأركان. أقلام باعت ضميرها، ومؤسسات تلهث وراء السرعة والضجة، وأدوات ذكاء اصطناعي تنفث الأكاذيب كما تنفث المدافع النار، بلا مسؤولية ولا وازع. الفضائح التي نراها ليست مجرد “أخطاء تقنية”، بل جرائم في حق الحقيقة والوطن والمهنة
فضائح اليوم ليست زلات، إنها جرائم مهنية مكتملة، ذكاء اصطناعي يختلق الحقائق فإليكم وقائع دامغة
هلوسات مشينة؛ الذكاء الاصطناعي اتهم أستاذ قانون أمريكي بالتحرش، ونسب الاتهام لصحيفة واشنطن بوست بمصادر وهمية، حتى اضطرت الصحيفة لتكذيب الأمر. هذا ليس خطأ بريئًا، بل اغتيال معنوي متعمد بأداة بلا ضمير.
روابط كاذبة؛ في تحقيقات موثقة، نشر شات جي بي تي روابط لمصادر صحفية كبرى، لكنها في الحقيقة صفحات وهمية لا وجود لها. تزوير موثّق.
سرقة علنية؛ مؤسسات إعلامية كندية عريقة رفعت دعاوى بمليارات الدولارات ضد OpenAI لاستخدام مقالاتها في التدريب دون إذن. نفس الفضيحة تكررت مع نيويورك تايمز التي اكتشفت أن نصوصها تُعاد إنتاجها حرفيًا، مما أضر بزيارات قرائها.
كذب داخل غرف الأخبار؛ صحيفة محلية مصرية نشرت مقالات تحتوي تصريحات كاملة من أشخاص لم يتحدثوا أصلًا للصحيفة—تصريحات صنعها الذكاء الاصطناعي من العدم.
هذه ليست مجرد لطخات سوداء في دفتر الصحافة، بل خيانة لقسم المهنة. وطن بلا صحافة حقيقية هو وطن أعزل أمام الأكاذيب. والأدهى أن بعض الصحفيين صاروا جزءًا من هذه المؤامرة، يتخفّون خلف “التقنية” ليبرّروا الكسل أو يغطّوا الجريمة.
أي مهنة هذه التي تقبل أن تتحول إلى ماكينة تزييف؟ أي وطن يقبل أن يتسلل الكذب إلى وعي أبنائه تحت لافتة الصحافة؟
هذه ليست أزمة مهنية، هذه خيانة وطنية، من يعبث بالحقيقة يعبث بأمن الناس، من يبيع الخبر الموثوق مقابل السرعة يطعن وعي الأمة في ظهره، من يسرق النصوص ويخدع القارئ لا يستحق لقب الصحفي، إننا أمام انهيار أخلاقي يهدد بقتل الصحافة الحرة، وإذا لم نتصدى الآن فسنستيقظ على إعلام بلا ضمير ووعي عام مُستباح.
يا أهل القلم… هذه لحظة مواجهة لا مجاملة. الصحافة ليست أداة تزييف بل سلاح وطني لحماية وعي الناس. وإن خسرنا هذا السلاح، سنترك الوطن فريسة في يد الأكاذيب، بلا حامٍ ولا حصن.
أنا أكتب اليوم بدم الحبر لا بحبر الكلمات. أكتب بغيرة ابن الوطن قبل أن أكون كاتبا للرأي، أكتب لأقول إن هذه المهنة ليست ملكًا لمن يلوثها، بل لمن يحميها، إن الوطن يحتاج إلى صحافة لا تخضع ولا تساوم، وأقلامًا لا تنكسر، وحقيقة لا تُباع ولا تُشترى وتصرخ في وجه الكذب، وأرى مهنة الصحافة تُغتصب على مرأى الجميع،
إنني أقسم أن أفضح الخائنين واحدًا تلو الآخر وكل من يبيع قلمه، وأن أقاوم كل من يحاول تحويل الصحافة إلى سلعة مغشوشة، لأن الحقيقة ليست رفاهية، بل سلاح وطني، ومن يفرّط فيه يفرّط في الوطن نفسه، ولن أسامح من يخون.










