قصة قصيرة
لم يكن في الغرفة سوى صوت عقرب الثواني .. ينقر بثبات مريض، كأنه يحسب ما تبقى من عمر الحقيقة، جلس خالد عمران في منتصف الغرفة، على كرسي خشبي عار من الوسائد، ظهره مائل قليلًا للخلف، وذراعه ممدودة على الطاولة، لكن أصابعه مشدودة كوتر قوص مشحوذ.
رفع رأسه ببطء، ثم مسح على وجهه بكف مرتجفة، وقال لنفسه: ثلاثون عامًا .. ولا زلت معلقًا عند اللحظة التي لم تقل فيها شيئًا، يا سامي
على الجدار المقابل، كانت هناك صورة بالأبيض والأسود معلقة، وفيها وجهان، وجهه هو .. ووجه سامي .. صديقه .. شريكه … قاتله …
ما عاد يدري … فالوجوه تتشابه حين تصمت .. والصمت يعلق الحقيقة في سقف لا يُرى ..
فتح الدرج، أخرج صندوقًا صغيرًا، من ذلك النوع الذي يقفل بمزلاج، داخله كانت هناك الورقة .. نعم .. الورقة نفسها .. التي تركها سامي ذات ليلة، وخط عليها فقد أربع كلمات … “إن تحدث .. سيموت آخرون” قرأها للمرة العاشرة بعد الألف .. ثم نظر إلى السقف وأغمض عينيه.
تلك الليلة، حين احترقت الشركة، حين اختفت الحسابات، وحين وجد لجسد بلا رأس .. لم يكن خالد بعيدًا عن المكان .. لكنه … صمت.
ولثلاثين عامًا .. ظل معلقًا بين أن يشهد .. أو يختفي مثل سامي .. رن هاتفه .. فانتزعه من تلك الحالة وتفكيره العميق .. رفع سماعته في بطء .. وحينها .. جاء صوت محدثه من على الطرف الآخر ..
كان صوتًا ناعمًا رتيبًا خالٍ من التنفس، وقال: ما زلت حيًا .. يا خالد؟
أجابه على مضض: بل .. ما زلت معلقًا ..
رد عليه الصوت قائلًا: من الأفضل أن تظل كذلك..!
نطقها وانقطع الاتصال.
نهض الأخير من على كرسيه .. وخطواته بطيئة، كأنها لا تثق بالأرض .. مر بجانب مرآة الحائط .. وتوقف لحظة … رأى وجهه … ورأى خلفه ظلًا لا يشبهه. ..
استدار بسرعة … لا أحد .. لكنه سمع الهمسة …
“قُلها … ستسقط أنت هذه المرة”
عاد إلى الطاولة، أخرج ورقة بيضاء وأمسك القلم، كتب …
“ما حدث تلك الليلة … بدأ قبلها بعام كامل …. “
و … توقف … ارتجفت يده … ثم أكمل …
“سامي لم يكن وحده … كان هناك رجل ثالث .. لم نر وجهه قط .. لكنه كان يصدر الأوامر … “
ثم كتب تحتها “اسمه … محفوظ في الذاكرة .. لكنه لا يُكتب … لا يُقال .. لأن من يكتبه … يُمحى”
سقط القلم من يده …..
ثم تمتم: ربما آن الأوان .. أن تُقطع الخيوط …
لكن الورقة تطايرت من على الطاولة .. ووقفت … عند الباب المغلق ….
وكأنها لا تريد أن تسلم نفسها بعد …..
في اليوم التالي … وجدوا الغرفة خالية .. الكرسي مقلوب .. المرآة مكسورة … لكن الورقة … ما زالت هناك … وعليها سطر وحيد … أضيف آخر الليل …
“كُلنا معلقون … لأن أحدهم .. قرر ألا نلمس الأرض”










