جاءت مباحثات سمو ولي العهد والرئيس السيسي في توقيت بالغ الأهمية بالنظر إلى الوضع الإقليمي الراهن، فعلى امتداد الخريطة ثمة بؤر ساخنة لصراعات وأزمات في مقدمتها الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة مع بدء إسرائيل المرحلة التمهيدية لإعادة احتلال مدينة غزة ضمن عملية “عربات جدعون2 ” الرامية إلى تهجير الفلسطينيين نحو جنوب القطاع في تجاهل لمسار المفاوضات بعد تقديم الوسطاء المصريين والقطريين مقترحًا جديدًا لوقف إطلاق النار في القطاع قبلته حركة حماس الفلسطينية، فضلًا عن مصادقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مشروع استيطاني في المنطقة (E1) شرق القدس المحتلة
الذي يهدف إلى فصل القدس الشرقية عن الضفة الغربية في تحرك إسرائيلي يهدف إلى القضاء على حل الدولتين، وكذلك التصريحات الصادرة عن رئيس وزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حيال ما يسمى “رؤية إسرائيل الكبرى” التي قوبلت بتنديد عربي وإسلامي واسع، وتحذير من أن استناد إسرائيل لأوهام عقائدية وعنصرية ينذر بتأجيج الصراع، ويهدد الأمن الإقليمي والدولي.
وكذلك التوترات في سوريا عبر محاولات لإثارة فتن طائفية برزت في أحداث السويداء والتصعيد العسكري الإسرائيلي الذي ظهر جليًا في تلك الأحداث، فضلا عن التطورات في لبنان بعد قرار الحكومة اللبنانية حصر السلاح بما في ذلك سلاح “حزب الله” بيد الدولة، ورفض الحزب للخطوة وتلويحه بحرب أهلية.
أظهرت مخرجات تلك المباحثات رؤية سعودية مصرية واضحة لمخاطر الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتحديد مسارات تحرك عاجلة وآليات لمعالجة الوضع في القطاع، مما يعيد الاستقرار إلى الإقليم عبر حلول عادلة تستند إلى أحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.
أن المباحثات ستشمل كذلك الأوضاع الراهنة في العراق ولبنان والسودان والصومال، وأهمية الحفاظ على سلامة جميع الدول العربية وعلى وحدة أراضيها وتحقيق السلام والأمن لشعوبها.
لذلك، فالمنطلق الأساسي للرؤية هو الاستفادة من الأدوات الاستثمارية التي تمتلكها السعودية، وأهمها صندوق الاستثمارات العامة، الذي سيتحول إلى أكبر صندوق سيادي استثماري في العالم (1.8 تريليون دولار) بعد نقل جزء من ملكية شركة أرامكو النفطية إليه، لكي تساهم عائدات استثماراته بفاعلية في تنمية قطاعات جديدة، وشركات عامة ترفع من إيرادات المملكة غير النفطية وتعزز دور الصندوق في تنويع وتوسعة القاعدة الإنتاجية للبلاد، ولضمان تحقيق هذا الهدف، ترتكز الرؤية على ثلاثة عوامل أساسية (1) العمق العربي والإسلامي لكون السعودية هي قبلة المسلمين ولديها إرث عربي وإسلامي ضخم؛ (2) القوة الاستثمارية للمملكة ممثلة في صندوقها السيادي والصناديق الأخرى؛ (3) الموقع الجغرافي الاستراتيجي حيث تمر 30 في المائة من التجارة العالمية عبر المضايق البحرية السعودية.
أما توجيه الأصول للاستثمار، فستأتي بصورة خاصة من طرح أقل من 5 في المائة من موجودات شركة أرامكو، التي ستقيّم بنحو 2 – 2.5 تريليون دولار، للاكتتاب العام، تعقبه موجة ثانية من الطرح للشركات التابعة لأرامكو، ما يمكن أن يدخل إلى الصندوق السيادي أموالاً جديدة تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
بقي القول إن «الرؤية السعودية» تمثل خطة «طموحة»، كما وصفها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تستجيب الإجراءات التفصيلية المدرجة فيها للتحديات والتطلعات التي تواجه الاقتصاد السعودي، الأكبر حجمًا في المنطقة، فالإعلان عن الرؤية يصب في الاتجاه الصحيح، ويعكس التوجه الصادق للقيادة السعودية للانتقال باقتصاد البلاد إلى مصاف الاقتصادات الناشئة في آسيا وأميركا اللاتينية بتنويع قاعدته الإنتاجية، وجعله أقل عرضة للصدمات الخارجية.
ورغم أن مشوار تنفيذ الرؤية سيكون طويلاً، فإن ابتعادها عن البيروقراطية والإصرار على تسويقها محليًا وخارجيًا بتوفير كل المعلومات عنها يشير إلى أن السعودية تمتلك القدرة على القيادة وتحقيق أهدافها المعلنة، وبما أن إنزال الرؤية إلى أرض الواقع سيكون له آثار مهمة على منطقة الشرق الأوسط، وربما العالم، فيما يتعلق بمجالات التجارة والاستثمار وحركة العمالة، فنأمل في أن تحذو دول المنطقة الأخرى حذو السعودية في العمل على تنويع اقتصاداتها لاستيعاب المتغيرات المتوقعة خلال الخمسة عشر عامًا المقبلة.
تحتل القضية الفلسطينية مكانة مركزية وراسخة فى وجدان الشعب المصرى وعقيدة السياسة الخارجية المصرية على مر العصور. ولم تكن مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو استثناءً من هذه القاعدة، بل شهدت تأكيدًا متجددًا على الثوابت المصرية تجاه القضية، وتكثيفًا للجهود الدبلوماسية على كافة المستويات، انطلاقًا من رؤية استراتيجية شاملة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، تدرك أن أمن فلسطين واستقرارها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي، وأن حل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا وشاملًا يمثل مفتاحًا رئيسيًا لاستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها.
واجهت مصر فى هذا الملف تحديات مضاعفة بعد عام 2013. فبالإضافة إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلى وسياساته التوسعية، وتدهور الأوضاع الإنسانية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، خاصة فى قطاع غزة المحاصر، والانقسام الفلسطينى الداخلى بين حركتى فتح وحماس، كان على الدبلوماسية المصرية أن تتعامل مع تداعيات التغيير السياسى فى مصر نفسها، ومحاولات بعض القوى الإقليمية والدولية استغلال الأوضاع لتهميش الدور المصرى أو فرض رؤى لا تتسق مع المصالح المصرية والفلسطينية. كما تزامنت هذه الفترة مع تصاعد حدة الأزمات الإقليمية الأخرى، مما شكل ضغطا إضافيا على أجندة السياسة الخارجية المصرية.
رغم هذه التحديات، حافظت مصر على موقفها المبدئي والثابت، والذى أكدت عليه القيادة السياسية فى كافة المحافل. تمثل هذا الموقف فى الدعم الكامل وغير المشروط للحقوق الفلسطينية المشروعة وغير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. ورفضت مصر بشكل قاطع أى حلول أو صفقات تنتقص من هذه الحقوق، أو تسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار، مؤكدة أن الحل العادل يجب أن يستند إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية.
ترجمت مصر هذا الموقف المبدئى إلى تحركات دبلوماسية نشطة ومتعددة الأوجه. فعلى صعيد عملية السلام، واصلت مصر دورها التاريخى كوسيط رئيسى ومحورى، تسعى لإحياء المفاوضات بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى على أساس حل الدولتين. ورغم تعثر المفاوضات وتوقفها فى كثير من الأحيان، لم تتوقف الجهود المصرية عن محاولة كسر الجمود، وطرح المبادرات، والتنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين، مثل الرباعية الدولية، والاتحاد الأوروبى، والأردن لدفع العملية السلمية إلى الأمام. وقد أكد الرئيس السيسى فى مناسبات عديدة على استعداد مصر لبذل كافة الجهود الممكنة لتحقيق السلام العادل والشامل الذى يضمن حقوق جميع الأطراف.
وعلى صعيد الوضع فى قطاع غزة، لعبت مصر دورًا لا غنى عنه فى التهدئة ومنع التصعيد بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل. فبحكم الجوار الجغرافى والاتصالات الوثيقة مع كافة الأطراف، تدخلت مصر مرارا وتكرارا لوقف إطلاق النار وإنهاء جولات العنف التى كانت تهدد بانفجار الأوضاع فى القطاع والمنطقة. ولم يقتصر الدور المصرى على التهدئة الأمنية، بل امتد ليشمل جهودا حثيثة لرفع المعاناة عن سكان القطاع المحاصر، من خلال فتح معبر رفح البرى بشكل منتظم مع مراعاة الاعتبارات الأمنية، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية، والمساهمة فى جهود إعادة إعمار ما دمرته الحروب الإسرائيلية، خاصة بعد حرب عام 2021. حيث أطلقت مصر حينها مبادرة كبرى لإعادة إعمار غزة إبان زيارة السيد الرئيس لباريس، وتعهدت بتقديم دعم مالى وتقنى كبير لهذا الغرض، إيمانا منها بمسئوليتها تجاه الأشقاء الفلسطينيين.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التوافق السعودي المصري في الرؤى إزاء أزمات المنطقة يعد نتاجًا لنهج السياسة الخارجية العقلانية المتزنة التي تتبعها الدولتان، حيث ترتكز على تعزيز الأمن والسلم الإقليمي، والتمسك بمبادئ القانون الدولي وتجنب اللجوء إلى القوة في حل النزاعات، بجانب الحرص على الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها ووحدتها، وتبني مبدأ حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن القمة السعودية المصرية في نيوم تُظهر متانة الشراكة الاستراتيجية بين الرياض والقاهرة، التي تعزز من القدرة على مجابهة التحديات التي تواجه المنطقة العربية وعلى رأسها المحاولات الخبيثة لتصفية القضية الفلسطينية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










