تتجلّى آثار أزمة المناخ عالميًا في ظواهر جوية متطرفة كالموجات الحارة الشديدة والجفاف والفيضانات المدمرة، وارتفاع مستويات سطح البحر الناتج عن ذوبان الجليد، مما يهدد الأمن الغذائي والصحة البشرية والتنوع البيولوجي ويكبد اقتصادات الدول خسائر فادحة، ويزيد من الفقر والنزوح. إن ارتفاع درجة حرارة الأرض وتبدل مناخها ظاهرة طبيعية في أصلها، فقد عرفت الأمم عبر التاريخ أزمات مناخية مثل نوبات الجفاف الحادة والفيضانات العارمة والأمطار الطوفانية،
إلا أن تفاقم تقلبات المناخ وفجائيتها في العقدين الأخيرين من القرن العشرين يعود في جوهره إلى النشاط الصناعي. ومع ذلك فلا بد من إبراز حقيقة أن الاحتباس الحراري ظاهرة طبيعية في أصلها وضرورية لحفظ توازن حرارة الأرض بما يُمكن من استمرار الحياة عليها، بيد أن النشاط الصناعي يحفز هذه الظاهرة بشكل زائد ومن ثم يكون مدمرا.
خلال العقود الماضية، طرأت على أجندة الأمن العالمي مجموعة من التحولات والتغيرات الملحوظة، فلم تعد التهديدات العسكرية التقليدية وحدها هي التي تستحوذ على اهتمام الجماعة الدولية، بل اتسع نطاق التهديدات الأمنية ليشمل في الآونة الأخيرة تغير المناخ باعتباره تهديداً أمنياً عالمياً يمكن أن تتجاوز تداعياته وتأثيراته ما قد تنتجه الحروب التقليدية بين الدول.
وتزامن انطلاق مؤتمر “كوب28” في دولة الإمارات، مع حالة من الغليان غير المسبوق، سواءً على صعيد القضايا المرتبطة بتغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة -وهو ما عبّر عنه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في يونيو الماضي، بأن “عصر الاحتباس الحراري قد انتهى وحل عصر الغليان العالمي”- أم على صعيد تزايد حدة الصراعات والحروب في منطقة الشرق الأوسط والعالم، على غرار المواجهات العسكرية التي برزت خلال العام الجاري في السودان، والحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، فضلاً عن استمرار التأثيرات والتداعيات الناجمة عن الحرب الروسية في أوكرانيا. وهذه الحالة من الغليان والتصعيد، أثارت مزيداً من التساؤلات حول تأثير الحروب في قضايا المناخ، والمكانة التي تحتلها هذه النقاشات على أجندة المجتمع الدولي.
تأثير متبادل:
يمكن أن تؤدي التغيرات المناخية المتسارعة إلى تصاعد الصراعات والحروب الداخلية، خاصةً في المناطق الأكثر حرارة وجفافاً، إذ يمكن لهذه الظاهرة أن تؤدي إلى ندرة الغذاء والمياه، ما قد يقود إلى تأجيج الصراعات والحروب الأهلية. وتُعد منطقة الساحل وغرب إفريقيا من بين أكثر المناطق المُعرضة للتأثيرات من هذا النوع.
وقد تكون التغيرات المناخية سبباً مباشراً في نزاع أو صراع دولي، وخاصةً في حالات الصراع على الموارد المشتركة أو العابرة للحدود. وهنا تشير التحليلات إلى أن ذوبان الجليد في منطقة القطب الشمالي، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، قد يفتح الباب أمام صراع كبير بين القوى الكبرى حول السيطرة على الموارد غير المستغلة من النفط والغاز الطبيعي والمعادن، علاوة على أن ذوبان الجليد يمكن أن يزيد من مساحة التنافس الدولي للسيطرة على طرق تجارة الشحن. ووفقاً لتلك الرؤية، فإن الصراع المستقبلي أو ارتفاع وتيرة التنافس في القطب الشمالي، سيكون مدفوعاً في أجزاء كبيرة منه بالتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة في هذه المنطقة.
ولا شك في أن ارتفاع حدة الصراعات أو الحروب بأشكالها المختلفة سواءً بين الدول وبعضها أم الحروب الأهلية، يؤدي بطبيعة الحال إلى تفاقم الأزمات وفي القلب منها تلك التي ترتبط بتغير المناخ. من هنا، يمكن تأكيد التأثير المتبادل للحروب والصراعات من ناحية، وتغير المناخ من ناحية أخرى. بمعنى آخر، يمكن أن تؤدي الحروب والصراعات المسلحة إلى تفاقم أزمات المناخ، وقد يكون اندلاعها نتيجة للظواهر المناخية المتطرفة.
تضرر المناخ:
أثرت حالة العسكرة التي تسيطر على التفاعلات الدولية، وعودة الحروب التقليدية بين الدول، مع استمرار وتجدد الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط؛ في أزمات المناخ، بحيث أصبحت العلاقة بين الحروب والمناخ تحتل مساحة أكبر مما كانت عليه في العقود الماضية، وهو ما يستدعي الوقوف على تأثير الحروب في المناخ كما يلي:
1- الحد من القدرة على التكيف المناخي: تؤدي الحروب والصراعات المسلحة إلى ضعف قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع التغيرات المناخية، والحد من تأثيراتها المتوقعة. إذ تتسبب الحروب في عدد من الكوارث، من بينها: تدمير البنية التحتية، وزيادة حالات اللجوء والنزوح، وتفاقم أزمات الغذاء والصحة، وهي العوامل التي تؤدي إلى زيادة هشاشة الدول وتراجع قدرتها على الصمود أو الاستجابة الفعالة للتغيرات المناخية بشكل عام. وهذا ما أكده تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر في يوليو 2020، والذي توصل إلى أنه من بين الــ25 دولة الأكثر عُرضة لتغير المناخ، توجد 14 دولة غارقة في الصراعات. وعليه فإن البلدان التي تتعرض للصراعات والحروب تكون أكثر هشاشة من غيرها، ما يفقدها القدرة على التكيف والتعامل الجاد مع تبعات التغير المناخي.
وفي هذا الإطار، يُرجح أن تؤدي الحرب الأوكرانية، وحرب غزة، إلى تقويض قدرة البلدين على الاستجابة للتغيرات المناخية في مرحلة ما بعد الحرب، بعدما تسببت الأداة العسكرية في تدمير البنية التحتية الحيوية، ومنشآت الطاقة، والإضرار بالمساحات الخضراء وغيرها من التأثيرات السلبية. ولعل الزلزال الذي تعرضت له سوريا في فبراير الماضي، والفيضانات التي حدثت في ليبيا في سبتمبر الماضي، وما نجمع عنهما من تأثيرات، يشير إلى عدم جاهزية الدول التي تشهد صراعات مسلحة للتعامل مع التغيرات المناخية.
2- تزايد البصمة الكربونية للجيوش: تُعد الجيوش والمؤسسات العسكرية من بين أكثر المساهمين في تغير المناخ؛ نظراً للاستخدام الكثيف للوقود الأحفوري سواءً في العمليات العسكرية أم التدريب. ووفقاً لتقرير صادر عام 2022 عن منظمة علماء من أجل المسؤولية العالمية، ومرصد الصراعات والبيئة، فإن البصمة الكربونية العسكرية تُقدر بنحو 5.5% من الانبعاثات العالمية.
وهذا ما يعني أن جيوش العالم لو كانت دولة، فإنها ستحتل المرتبة الرابعة عالمياً في انبعاثات الكربون. ويمكن أن تكون مساهمة الجيوش في انبعاثات الكربون أكثر من ذلك، في ضوء اعتبارين رئيسيين: يدور الأول حول مبدأ أن الجيوش غير ملزمة بالإفصاح عن انبعاثاتها أو خفضها. في حين ينطلق الاعتبار الثاني من فكرة أن القوات المسلحة للدول حتى ولو أعلنت عن انبعاثاتها، فقد تكون البيانات المعلنة جزئية أو غير مكتملة. ويبدو أن هذه البصمة آخذه في الارتفاع، خاصةً في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، وإطالة أمد الحرب في غزة، بجانب استمرار دورات الصراع المسلح في مناطق مختلفة من العالم.
3- تقليل مخصصات الاستجابة للتغيرات المناخية: يمكن أن تُجّبر الحروب والصراعات المسلحة الدول على إعادة ترتيب أولوياتها، وتقديرها لحجم التهديدات والمخاطر، بحيث تمنح التهديدات الناجمة عن اندلاع الحروب باعتبارها قصيرة الأجل الأولوية مقارنة بالتهديدات المتعلقة بتغير المناخ. انطلاقاً من تلك الرؤية، ستؤثر الحروب بالسلب في الاستجابة الفعالة للتهديدات المناخية، وذلك في ضوء جملة من الاعتبارات من بينها توجه الدول لزيادة الإنفاق الدفاعي ومخصصات الجيوش على حساب المخصصات التي يمكن أن توجه للعمل المناخي.
وهذا ما انعكس بصورة مباشرة على الإنفاق العسكري العالمي عام 2022، والذي وصل إلى 2.24 تريليون دولار، كما شهدت أوروبا أكبر زيادة سنوية في إنفاقها الدفاعي منذ ثلاثة عقود. من ناحية أخرى، قد تدفع الحروب وما ينتج عنها من أزمات اقتصادية، الدول الغنية لإعادة النظر في تمويل المبادرات المناخية للدول الفقيرة أو على أقل تقدير ستؤثر في وفاء الدول المتقدمة بالتعهدات المالية – 100 مليار دولار سنوياً- للدول الفقيرة المتضررة من تفاقم الكوارث الناجمة عن تغير المناخ. حتى في اليوم التالي للحرب، سيكثف المجتمع الدولي والدول التي تعرضت للحرب جهودهم لإعادة الإعمار والتعافي، ما قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بقضايا مواجهة التغيرات المناخية، وهو ما ستفرضه الأولويات في هذا التوقيت.
في الأخير، أولت الدولة اهتماماً ملحوظاً بطبيعة العلاقة بين المناخ والسلام والأمن، وعملت على وضع الأمن المناخي على أجندة المجتمع الدولي، من خلال مجموعة من الإجراءات، فخلال ترؤسها لمجلس الأمن في يونيو 2023، عُقدت جلسة رفيعة المستوى لبحث العلاقة بين تغير المناخ والتهديدات التي تواجه السلم والأمن الدوليين.
كما خُصصت جلسة خلال مؤتمر “كوب28” – ولأول مرة- حول هذا الموضوع، وانتهت بإعلان “كوب28 بشأن المناخ والإغاثة والتعافي والسلام”، ويُعد هذا الإعلان إنجازاً واضحاً لمعالجة المخاطر الأمنية للتغيرات المناخية، خاصةً بعدما وقعت 70 دولة و39 مؤسسة عليه، ما يُعد التزاماً جماعياً بتعزيز المرونة المناخية في الدول والمجتمعات الأكثر عُرضة للصراعات وتداعيات تغير المناخ.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










