حملت السعادة لجمهور المسرح في اربيل.
في اخر عروضه المسرحية و هي “طائر السعادة” للمؤلف و المخرج شوان كريم، واصل المخرج عزفه المنفرد في أستقطاب الجمهور و تقديم عروض مسرحية مغايرة و مقبولة من لدن كثير من عشاق المسرح، حتى أصبح كثير من الجمهور يتتبع الاعمال الفنية للمخرج و يتابعها دون تردد أو قلق، فأصبح اسم شوان كريم عند كثير من مريدي و محبى المسرح، ماركة تسويقية مهمة، حتى بات كثير من الممثلين يتمنون أن يشاركوه في عمل مسرحي، طمعا في عيش غمار هذه التجربة المسرحية الجماهيرية المهمة الذي تستقطب الجمهور أينما كان.
“طائر السعادة” عرض مسرحي يناقش الصراعات السياسية و السلطوية في المجتمع بكثير من الجرأة و الجمال، حيث يرسم الصراع بين السلطة القائمة الهزيلة و المتجردة بين كل إنتماء فكري و وطني، مع معارضة متمردة على السلطة بشكل عاطفي و بكثير من المشاعر الانتقامية و اللاعقلانية في غياب الفكر و المنظور و النهج السياسي لحل الاشكالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، فالسلطة و المعارضة، تنتميان الى نفس البؤرة الحسية و الثورية، التي تتعامل مع الثورة بدون منظور سياسي و اجتماعي واضح، لذا تتناوب كل منهما على أحياء اخر و اكمال المسيرة دون أية تغيرات الجذرية الحقيقية، السلطة دائما ما تجد لها حلفاء داخل الفئة المعارضة لكي يكشف كل مخططاتهم، و المعارضة دائما ما تكون أسيرة لهوس الوصول الى السلطة و إحتلال المناصب و تقليد أحزاب السلطة، لذا ترى كثير منهم يخون مبادئه و يتعاون مع السلطة بمجرد ما يتحصل على الحافز المناسب في إمتلاك الثروات و إعتلاء المناصب، لذلك كل تمرد سياسي أو حتى ثورة إصلاحية في المجتمع، لايمكن لها أن تنجح بدون فكر ثوري و طرح البديل العقلاني و منظور واضح للإصلاح و التطوير.
شوان كريم تعامل بذكاء بالغ في رسم أركان السلطة من خلال شخصيات كاريكاتورية هزيلة و فارغة و منغمسة في ملذاتها و إنشغالاتها الشخصية، فكل شخصية من الشخصيات التي تمثل وجه السلطة، هي شخصية مشابهة لشخصية المهرج صعلوك يبحث عن شهواته و مصالحه، و يقودهم شخصية سياسية أنيقة يعرف كيف يوظف هذه الحفنة من المهرجين في تأسيس أركان حكمه و سلطاته، هذا المنظور الجروتيسكي للسلطة السياسية، يقابله منظور إنفعالي و دموي في رسم القوى المعارضة التي تريد أن تقلد السلطة في فرض سلطاته عن طريق القتل و التصفية، بالتالي لايحملون اي جديد و بسبب هشاشة مبادئهم و عدم مصداقية قضيتهم، تصبح الخيانة فعل متفشي فيهم و يتسبب في هلاكهم و موتهم عن طريق خيانة أقرب زملائهم.
هذا المنظور السياسي و الاجتماعي للمخرج شوان كريم، يوصل رسالة مفادها أن السلطة و المعارضة في هذا البلد، يتشابهون بشكل كبير، بالرغم من أختلاف في التجسيد و الحضور، فالذي يحكم اليوم على الكرسي كمهرج دون قيم أو مبادئ، كان بالأمس مناضلا شعبيا و ثوريا يتوعد بالإصلاح و العدالة الاجتماعية و الديمقراطية و حقوق الانسان، و المتمرد الذي ينادي اليوم بكثير من الشعارات و الوعود البراقة، ستراه غدا، مهرجا يتنكر لكل ما تفوه به بمجرد أن يصل الى السلطة، و هذه نتاجات طبيعية لمجتمع يغيب عنه الوعي و الادراك بالحقوق و الواجبات، مجتمع انفعالي سطحي نبذ العقلانية و يركض وراء الوعود و الشعارات العاطفية و السياسية التي لاتغير شئ في الواقع، أي أن الركض وراء طائر السعادة، مجرد سراب و وهم لمجتمع لايعي حقوقه و واجباته و يدار من خلال خطاب شعبوي و عاطفي فيه كثير من الزيف و الخداع.
بالرغم من أن هناك كثير من ملامح تشابه بين مسرح شوان كريم و المسرح السياسي الذي عمل عليه أروين بسكاتور و بريخت، منها التركيز على القضايا السياسية العامة و الاداء الجماعي و كسر الايهام و تحفيز الجمهور على المشاركة و جماهيرية الخطاب المسرحي، إلا أن اهم الفروقات التي تميز مسرح شوان كريم عن مسرح بسكاتور و بريخت، هي الإلتزام الايدلوجي و الفكري المرتبط بالطبقات في مسرحيات بسكاتور و بريخت، ليست موجودة في مسرحيات شوان كريم، فالموضوع عند شوان كريم حتى لو كان سياسيا و تمس السلطات السياسية، إلا انه يتجنب المنظور الايدلوجي بحيث ينتمي الى فكر معين على حساب الاخر، انما أنتمائه الى الجمهور و الناس هو الالتزام الوحيد في عروضه، لذلك نراه لايذهب الى منطقة التوثيق و استخدام الدلائل التاريخية لكي يبين مصداقية فكرة مقابل فكر أخر، لذا هذا المسرح لايعتبر مسرحا سياسيا وفق منظور بسكاتور و بريخت، لكن في هذا العرض هناك كثير من التناص مع مسرحية (ماراصاد) للكاتب بيتر فايس من حيث الشكل و المضمون و إدارة الصراع و حتى النهاية المأساوية المختومة للثورات و التمرد. بالنسبة للمنظومة الادائية و الفنية، تعامل المخرج في كثير من مفاصل العرض على مسرحة الحكاية و غربلة الواقع من خلال أداء جروتيسكي كاريكاتوري في رسم الشخصيات التي تمثل السلطة، فظهرت هذه الشخصيات كأنها شخصيات غير منتميه الى مكانتها السياسية و الاجتماعية، بل أكثر من ذلك هي شخصيات هزيلة لاتستحق الاحترام و التقدير و سُوِقَ بنوع التسقيط و التحقير، هذا الفعل المغاير في تصوير الشخصيات السياسية في المسرحية، جعل من الحضور الكوميدي و الاداء الارتجالي حاضرا بشكل كبير في تجسيد بنية الشخصيات و المبالغة القصدية من قبل الممثل في تسطيح مكامن الشخصية، أضافت نوع من الكوميديا و المفارقة، وهذا ما جعل المتلقي سعيدا في مشاهدته لهذه المشاهد و هو يرى الشخصيات السياسية التي تنهب من كل جهة و صوب من قوته و خيرات بلده، تظهر بهذا الثوب الفاضح و الذي يجسد القيمة الحقيقية لهذه الشخصيات و فقدان احترامهم من جراء الفساد الذي يمارسونه بواسطة سلطاتهم. أما الشخصيات الثورية المتمردة على الوضع السياسي و الذين يداهمون البرلمان أو المجلس لكي يستولوا على الحكم، يظهرهم العرض كأنهم شخصيات أنفعالية غير مستقرة و متعصبة و عنيفة، و داخل كل فرد منهم نوازع شخصية مختلفة تجعله يقدم على هذا التمرد بشكل انفعالي و عنيف في الاستيلاء على السلطة، و أول فكرة تخطر على بالهم عندما يستولون على المجلس، هي القتل و التصفية و الانتقام، حتى أن (ئارماهاوبير زارين) زعيم المتمردين، يأمر بإعدام والده الذي كان يعمل عامل نظافة في المجلس، لمجرد شك لا يقين بأنه تعاون مع السلطة، و البقية دائما ما يحثون على القتل و التصفية الجسدية، كأن كل فعل لهم هي ردة فعل على ماعانوه سابقا من التهميش و الظلم، فتغيب عنهم فكر ثوري يقود التمرد و الثورة و تنتهي بخيانة أحد أعضاءهم لهم، حيث كان خائنا و معتمدا للسطة بينهم، و يكتشفون هذا بعدما يشربون شراب مسموم من يدية و ينتهون نهاية مأساوية.
في هذا الجزء من العرض، بعدما يقتحم المتمردون المجلس، يتراجع العرض بشكل كبير عن الفورمة الجروتيسكية التي بدأ بها و يستسلم للمنظومة التجسيدية الداخلية و الحسية، التي تجعل من العرض سردا مشابها و منفعلا للواقع السياسي، مشهد يغيب فيه كثير من المغايرة و عمليات مسرحة الحدث و الشخصيات و السرد الأدائي الممسرح الذي رأيناه في المشهد الأول، بذلك يخلق نوع من الارتباك في الوحدة الفنية و الجمالية للموضوع، حتى في منظومة أداء الممثلين الذين يمثلون المتمردين، دخول هذه المجموعة في عملية التقمص و معايشة الشخصية و إالغاء حضور الممثل، في مقابل الاداء التقديمي الجروتيسكي الذي قدمه الممثلون الذين أدوا شخصيات السلطة، يخلق نوع من التفاوت و عدم التجانس في منظومة الاداء، و العرض يتحول الى عرض تلقيني خطابي يملئها الشعارات و الاداء الحماسي الانفعالي و الصيحات و البكائية المفرطة، كل هذا جعل العرض يفقد كثير من متعته البصرية و الادائية، ولولا تدخل بعض من الممثلين الذين كانوا يمثلون الشخصيات المعتقلة في كسر هذا الايهام الخانق للعرض من خلال حوار أو حركة كوميدية، دخل العرض في نفق الملل و الاداء الباهت و الصورة الفنية و الادائية المكررة للصراع بين السلطة و نقيضه.
من منظوري الشخصي، المخرج لم يوفق في ترسيم الجزء المتعلق بسيطرة الثوار على المجلس، أدائيا و بصريا، فظهر شخصية المؤلف في هذا المشهد بشكل أكبر من الحضور الابداعي للمخرج و أستسلم العرض للنبرة الخطابية الثورية التي أدخلها الثوار الى المسرح و لم يحاول المخرج أن يتدخل في كسر هذه الحوارات الايهامية التي سحبت الممثل الى منطقة أدائية تقمصية، متوازنة و متوافقة مع الواقع و لم يتوفق عليها، حتى نهاية المسرحية لم يكن متجانسا و منسجما مع بداية العرض الذي أستهله المممثلون في الدخول و أداء مارش عنيف يعبر عن مكنون المسرحية في مشهد حمل كثير من الانيه و الحضور المكاني و الزماني للعرض، أي أن العرض بدأ بلعبة مسرحية و أنتهى بمشهد واقعي تقمصي خارج سياق هذه اللعبة التي بدأ بها، وهذا كان خللا واضحا في منظومة العرض، فالعرض الذي يبدأ بالانية و الحضور الزماني و المكاني، لابد أن ينتهي بالانية، حتى لو أستخدم المخرج في سبيل هذا الفعل مجرد إشارة أو حوار أو أي فعل يربط الماضي بالانية التي بدأ بها العرض قبل دخول الممثلين في الشخصيات، فالممثلين هم من بدأوا العرض و ليست الشخصيات، لأن الممثلون حاضرون و الشخصيات مستحضرة، فأولى بالعرض أن ينهيه الممثل و ليس الشخصية التي أستحضرها الممثل، لأن الممثل يمثل الحاضر و الشخصية تمثل الماضي، و العرض بدأ بكسر الايهام و أستحضار الماضي و كان لابد أن ينتهي بهذا الفعل المسرحي و ليس التقمصي.
الممثلون أدوا بشكل انسيابي و جمالي داخل منظومة جمالية تعمل على ابراز عمل المجموعة من خلال انسجام و التوازن و الاداء الجماعي، و ظهر بعض من الممثلين في فورمة أدائية كبيرة من حيث قدرته على خلق نوع من التميز و الابتكار، خاصة الممثلون الذين أدوا شخصيات الجروتيسكية، قدموا أداء ممسرح متميز و حاولوا توظيف مهاراتهم الحسية و الجسدية بشكل كبير، منهم (عثمان جميل، محمد عثمان، هورين صلاح) الذين وفقوا في أدائهم الكوميدي الجروتيسكي الذي ساهم في ظبط إيقاع العرض و عدم وقوعه في منطقة التكرار و الملل، كما برز كل من (هاوبير زارين، زيار اسماعيل، يوسف عثمان، ويانا حسيني) في تجسيد و تقمص الشخصيات الثورية بشكل كبير بإعتمادهم على الاحساس العالي و الانفعال الطبيعي في الولوج الى دواخل الشخصيات الثورية و تقمصها.
أما الموسيقى و الاضواء و الحضور السينوغرافي و المؤثرات الصوتية و البصرية، كان لها حضور بالغ في تأسيس الخطاب البصري و الجمالي و الحسي للعرض، حيث ساهموا في خلق فضاء نفسي و وجداني، واكبت المتغيرات الدرامية التي قادت العرض.
في نهاية أوكد أن انتمائي لمثل هذه العروض، ليس انتمائا فنيا بحتا، إنما هو انتماء لتجربة مسرحية فريدة قادرة على خلق الفرجة و المتعة و التواصل الحي مع الجمهور و انتماء العرض الى السياقات الاجتماعية و السياسية و الثقافية في المجتمع، دون التركيز على كثير من الاشكال المسرحية التي تعمل على الابهار البصري و الثرثرة البصرية المفرطة و اللغة التواصلية الفوقانية و المستعلية على الغالبية العظمى من الجمهور، فيصبح العرض منكمشا على نفسه و غير قادر على خلق المتعة و الفرجة، المفقودة في كثير من العروض المسرحية التي تختبي وراء ستار التجريب و التجديد و الحداثة و مابعد الحداثة و الدراما.
مسرحية “طائر السعادة”
تأليف و اخراج (شوان كريم)
تمثيل (يوسف عثمان، هاوبير زارين، زيار اسماعيل، دلشاد شهاب، ريبر رينوار، بروشه محمد، شادي عثمان، عثمان جميل، محمد عثمان، هورين صلاح، ويانا حسيني، حمه عمر، اوات أسعد، سان سالار، إبراهيم هيوا، مينا أياد، ارياس رزكار، اريوس اري، حمه سعيد و جاوةرى عبداللة).
مساعد مخرج: داستان مارفمدير المسرح:اسامة غازي شايي محسنالمخرج الفني:لازو يوسف و مجموعة من الكوادر الفنية و التقنية.
العرض قدم يوم 25/8/2025 و لازال مستمرا.










