يُعتبر المكان عنصرًا جوهريًا في تكوين النص الأدبي، وعندما نتحدث عن “فاعلية المكان” فإننا نعني بها قدرة المكان على التأثير في غيره من مكونات النص الأخرى على مستوى الشكل والمضمون. ولا تقتصر فاعلية المكان على التأثير فحسب، بل تمتد لتشمل قابليته للتأثر أيضًا بما يجري فيه من ممارسات، أو ما يطرأ على شخصياته من تحولات.
ومن هذا المنطلق، حصلت الباحثة د. سمر علي الجداوي، المدرس بقسم اللغات السامية (شعبة اللغة العبرية وآدابها) بكلية الألسن جامعة عين شمس على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن بتقدير “ممتاز”، في رسالة عنوانها: فاعلية المكان في النص المسرحي النسوي – دراسة ثقافية مقارنة بين مسرحيتي “مطهر” لهدار جالرون و”سحر البرلس” لداليا بسيوني
أشرف على الرسالة. د جمال أحمد الرفاعي، أستاذ اللغة العبرية وآدابها المتفرغ بكلية الألسن جامعة عين شمس، ود. مروة وهدان، مدرس الأدب العبري الحديث بالكلية.
تناولت الدراسة فاعلية المكان في النص المسرح النسوي، عبر تحليل دوره كأداة لقمع المرأة من جهة، وكفضاء لتحررها وتشكيل وعيها من جهة أخرى. يتم ذلك من خلال مقارنة بين مسرحيتي: «מקווה: סיפור על נשים ועל מקום مَطْهَر: حكاية نساء ومكان» للكاتبة الإسرائيلية “هدار جالرون”، و «سحر البرلس» للكاتبة المصرية داليا بسيوني، واللتين أبرزتا هذا البعد المزدوج للمكان في التجربة النسوية.
وتكمن أهمية الدراسة – بحسب الباحثة – في كونها تسلط الضوء على مساحات التقاطع والتباين بين طرح الأديبتين “هدار جالرون” و”داليا بسيوني” لقضايا المرأة في المجتمعات المغلقة (المجتمع القروي المصري والمجتمع الحريدي الإسرائيلي)، والدور المحوري الذي يؤديه المكان في المسرحيتين لإبراز هذه القضايا.
وتقول الباحثة: سعت الكاتبتان، عبر مشاهد المسرحيتين، إلى تقديم رؤيتهما حول كيفية الوصول إلى وعي نسوي مغاير يقاوم كل صور التهميش والقمع التي تتعرض لها النساء، سواء داخل المجتمع الحريدي المغلق أم داخل القرية المصرية. ومن هذا المنطلق، توصلت كلتاهما إلى أن امتلاك النساء لمكان خاص بهن يُعتبر نقطة الانطلاق الحقيقية نحو التغيير في حياتهن.
وفي السياق ذاته، شكّل توظيف الطقوس النسائية نقطة التقاء محورية بين المسرحيتين؛ إذ لم تكن هذه الطقوس مجرد تجمعات نسائية اعتيادية، بل ممارسات أسهمت في تفكيك البنى الأبوية المسيطرة على المكان، وأعادت تشكيله ليُصبح فضاءً يحمل هويةً بديلة تعكس تجارب النساء ومقاومتهن للهيمنة الذكورية.
كما تقاطعت المسرحيتان في رصد أنماط من العنف ضد المرأة في كل من المجتمع الحريدي والمجتمع القروي المصري؛ مثل الإساءات اللفظية، وتشويه السمعة، والعنف الجسدي، وزواج القاصرات. وهذه الأنماط بدورها ترتبط بموروثات ثقافية متجذّرة في البنى الأبوية للأماكن والمجتمعات المغلقة بشكل عام.
وتضيف: انطلاقًا من ذلك، يتضح من المقارنة بين المسرحيتين أن المكان لم يُوظَّف كمجرد خلفية ساكنة للأحداث، بل قُدم كفاعل درامي وجندري يُسهم في بلورة خطاب نسوي متمرد ومقاوم. ففي مسرحية “مطهر” يتحول المطهر من مكان يُمارس ضبطًا دينيًا واجتماعيًا على النساء، إلى فضاء للتمرد والمقاومة. بينما في مسرحية “سحر البرلس” تُوظَّف بحيرة البرلس بوصفها فضاءً بديلًا ومغايرًا للقرية، يتيح للنساء إعادة اكتشاف ذواتهن بعيدًا عن أعباء الحياة اليومية والأدوار التقليدية التي حددها المجتمع الأبوي.
وتنتهي إلى أنّ المقارنة بين الأديبتين هدار جالرون وداليا بسيوني تكشف عن أنه بالرغم من عدم معرفة كل منهما بالأخرى أو تأثر إحداهما بالأخرى بشكل مباشر، إلا أن هناك تشابها بينهما في طبيعة القضايا النسائية التي طرحتاها في نصيهما، بل وفي طريقة الطرح والمعالجة نفسها. ومن المرجح أن اطلاع كل منهما على الأدب الإنجليزي – ولا سيما المسرح النسوي – قد فتح أمامهما نافذة لرؤية التجارب النسوية العامة التي تتجاوز حدود المكان والتأثر بها، وهو ما خلق التشابه في المواقف وطرائق التعبير بينهما.











