يولي مجتمع الخبراء الدولي اهتمامًا خاصًا لتحول دور الدبلوماسية الإقليمية في العالم الحديث. وأصبح الحوار الدبلوماسي بين مختلف المناطق أداةً أساسيةً ليس فقط لتعزيز العلاقات الدولية، بل أيضًا لمعالجة المشكلات العالمية بفعالية في سياق تنامي الترابط بين الدول.
تتمثّل الأهداف الرئيسة لإنشاء مجلس التعاون الخليجي التي حدّدها النظام الأساسي للمجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع المجالات، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية، والاجتماعية والصحية، والإعلامية والسـياحية، والتشـريعية والإدارية،
ودفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشروعات مشـتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص.
ان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تُطلّ وأبناء دول مجلس التعاون يستذكرون بكل اعتزاز وفخر يوم تأسيسه في 1981م الذي انطلقت فيه المسيرة المباركة خدمةً لدول المجلس وأبنائها وتعزيزا لأمنها واستقرارها.
المواقف الثابتة، والبيانات العاجلة، والاتصالات والتحركات التي اتخذتها الدول الخليجية، جراء الاعتداء الإسرائيلي السافر على السيادة القطرية وانتهاك القانون الدولي، رسالة واضحة للموقف الخليجي المشترك، الذي يؤمن بالمصير الواحد.
وأمام كل الدعم والتأييد والتضامن مع دولة قطر الشقيقة، ثمة موقف إماراتي خليجي، يستحق التوقف عنده والإشارة إليه، فقد لاحظ الجميع أن الزيارات المكوكية التي قام بها سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات الشقيقة، جاءت في توقيت مهم، وحملت دلالات غاية في الأهمية.
الشيخ محمد بن زايد قام بزيارة قطر ثم البحرين ثم عمان، وقبلها بأسبوع كان في السعودية، وقبلها بفترة كان في الكويت.. زيارات أخوية وعلاقات تاريخية وتعاون مستمر وتوحيد في المواقف.. ورسالة بأن الدول الخليجية ليست كما قد يتصور البعض
أنه بالإمكان التعدي على سيادتها، والإساءة إليها، وستكون ردة الفعل «صوتية» وتراجع وتردد على حسم الموقف.. الدول الخليجية اليوم ليست كما يتصور أو يحلل الآخرون.. إنها كتلة متماسكة وذات قرار حاسم وحازم.. ولها مصالح كما للآخرين مصالح، ولن تتوانى الدول الخليجية في الدفاع عن مصالحها ومصالح شعوبها ومستقبلها.
يخطئ من يقوم بالترويج والتحليل بأن الدول الخليجية ضعيفة، وأن التعاون الأمني مع أمريكا أو غيرها لا جدوى منه.. هذا تحليل قاصر.. الحوادث والمواقف تجعل الجميع يعيد من صياغة تفكيره ومنهجه في تعامله مع الآخر.. سيطرة اللوبي الإسرائيلي على القرار الأمريكي مقولة غير دقيقة ولا كاملة.. صحيح هناك تأثير لكنه ليس كل التأثير.. القرار الأمريكي أقوى من اللوبي الإسرائيلي.. والموقف الخليجي والعربي له قوة وتأثير كذلك في القرار الأمريكي.. من يروج لغير ذلك بحاجة إلى فهم السياسة من جديد.. وأن أي موقف خليجي موحد له اعتبار كبير في السياسة الأمريكية والغربية.. هذا أمر يجب أن ندركه جميعا.
ومن هذا المنطلق، وكما نشرت العديد من الوسائل الإعلامية، فإن جولة الشيخ محمد بن زايد الخليجية، غداة الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف العاصمة الدوحة، هي قمم خليجية في أقل من 24 ساعة تتوج بها الإمارات «دبلوماسية الأخوة» في زمن الأزمات.
جولة يجسد بها رئيس دولة الإمارات «دبلوماسية الأخوة»، ويؤكد المعدن الأصيل لدولة الإمارات وقيادتها الداعمة لعلاقات الأخوة بين الإمارات وأشقائها وتعزيز التضامن الخليجي والعربي.. وهي رسالة تأكيد واضحة على التضامن الخليجي في مواجهة كل التحديات، كما حملت جولة صاحب السمو رئيس الدولة المكوكية رسالة واضحة للعالم أجمع مفادها أن دول الخليج على قلب رجل واحد، وأن أمنها واستقرارها خط أحمر.
كما تؤكد عمق التنسيق الخليجي وتجسد رؤية حكيمة تدرك أن وحدة الصف هي الدرع الأول لحماية الاستقرار وصون المنجزات.. زيارات تحمل رسالة واحدة مفادها بأن البيت الخليجي متوحد وماضٍ بعزيمة قادته، وإرادة شعوبه وتماسكه نحو مستقبل أكثر قوة وازدهاراً.
أما الحديث عن إعادة دراسة فاعلية التعاون الخليجي الأمريكي، ومسارات السلام والاتفاقيات والتفاهم وغيرها..
فلا شك أنها وبعد حادثة الاعتداء على قطر، ستكون محل إعادة هندسة سياسية، وسط مطالب من الشعوب الخليجية.. وهي رسالة تدركها أمريكا جيدا.. كما تدرك أن بقاء حكومة التطرف في إسرائيل، أصبح ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.شهد التفاعل بين آسيا الوسطى وشبه الجزيرة العربية، الممتد على مدى ألفي عام، تحولاتٍ هامةً عديدة.
أنشأ طريق الحرير العظيم، الذي ظهر في القرن الثاني قبل الميلاد، أول نظام للتواصل الاقتصادي المستدام بين المناطق. وشكّلت دول آسيا الوسطى نقاط عبور رئيسية لتبادل البضائع، من الحرير الصيني وورق سمرقند إلى العطور والمجوهرات العربية.
وأضاف انتشار الإسلام في القرن الثامن بُعدًا روحيًا وفكريًا لهذا التفاعل. وأصبحت مدن مثل سمرقند وبخارى مراكز علمية في العالم الإسلامي. وأنتج علماء بارزون من آسيا الوسطى، مثل البخاري والخوارزمي وابن سينا، أعمالًا أصبحت أساسًا للحضارة الإسلامية بأكملها. ومنذ القرن السادس عشر فصاعدًا، ضعفت الروابط التقليدية بسبب التغيرات الجيوسياسية واكتشاف طرق التجارة البحرية. وفي القرن العشرين، زادت العزلة السوفيتية من تباعد المناطق عن بعضها البعض. مراحل رئيسية في بناء الحوار الدبلوماسي
مرّ بناء الحوار الدبلوماسي المنهجي بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى بمراحل مهمة، ساهمت كل منها بشكل كبير في تطوير التعاون بين المنطقتين.
المرحلة الأولى (1991-2000): شهدت هذه الفترة إرساء العلاقات الثنائية، حيث تعرف الطرفان خلالها على الأنظمة السياسية والفرص الاقتصادية لكل منهما. فُتحت البعثات الدبلوماسية الأولى، وأُبرمت اتفاقيات تأسيسية بين الدول، كانت في معظمها إطارية. تطور التعاون تدريجيًا، إذ احتاج الجانبان إلى وقت لفهم تفاصيل وآفاق التفاعل بين دول آسيا الوسطى ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل أفضل.
المرحلة الثانية (2001-2010): تميزت هذه المرحلة بتطور العلاقات الثنائية ووضع إطار قانوني للتعاون. وُقّعت اتفاقيات عديدة في مجالات مختلفة، بما في ذلك الاقتصاد والثقافة والتعليم. وأولي اهتمام خاص لتكثيف التعاون التجاري والاقتصادي والمالي والاستثماري. وخلال هذه الفترة، نُفّذت أولى مشاريع الاستثمار الكبرى التي شارك فيها رأس مال عربي في آسيا الوسطى. شملت المجالات الرئيسية: تطوير أنظمة الري وتحديث البنية التحتية الزراعية في أوزبكستان وكازاخستان، ومشاريع النفط والغاز في تركمانستان، ودعم المبادرات الإنسانية والتعليمية في طاجيكستان وقيرغيزستان.
المرحلة الثالثة (2011-2020): اتسمت هذه الفترة بتنويع مجالات التعاون والمحاولات الأولية لمأسسة الحوار. وتوسع نطاق التفاعل ليشمل قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والبيئة. ومن الجدير بالذكر أن أولى الاتصالات متعددة الأطراف جرت، بما في ذلك اجتماعات وزراء الخارجية.
ومن الأحداث الدبلوماسية المهمة خلال هذه الفترة اجتماع وزراء خارجية دول آسيا الوسطى وجامعة الدول العربية في الرياض عام 2014، الذي أرسى الأساس المفاهيمي لتكثيف الحوار الإقليمي لاحقًا. وشكّل هذا الاجتماع سابقة مؤسسية لتشكيل صيغة تعاون أكثر تركيزًا بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى.
وأشار المحللون إلى أن نتائج الاجتماع في العاصمة السعودية أظهرت إمكانات كبيرة للتعاون بين المنطقتين، مما شجع النخب السياسية على السعي إلى صيغ تعاون أكثر فعالية.
من المهم التأكيد على أن أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في تكثيف التفاعل كان الإصلاحات الداخلية في دول آسيا الوسطى، وخاصةً في أوزبكستان، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الإقليمي داخلها. وقد هيأت هذه العمليات ظروفًا أكثر ملاءمة لتطوير العلاقات الخارجية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تشكيل “إجماع سمرقند” في عام ٢٠١٧. وخلال دورة تدريبية رفيعة المستوى خلال المؤتمر الدولي الذي عُقد في سمرقند، عززت دول آسيا الوسطى مواقفها بشأن التعاون الإقليمي، ممهدةً الطريق لتعاون أكثر منهجية. وتعزز الاعتراف الدولي بهذه المبادرة في يونيو 2018 عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا خاصًا يدعم عمليات التكامل الإقليمي.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










