السبت , 24 أكتوبر 2026

مأمون الشناوي يكتب.. وكُنا سُعداء !!

لم نكن نعرف السيد المحافظ ، ولا معالي الوزير ، حتى الزعيم لم نكن نعرفه إلا من صوته يخطب في الجماهير عبر الراديو فيملأ القلوب حماسةً ، لكننا كُنا سُعداء !!.
يأتي السمك من النيل أو الترعة مُباشرةً ، يرقص في مقطف الصياد الذي يحمله على رأسه أو بين يديه ، فتأخذه أمي إلى فرنها المُشتعل دوماً ، فتشويه ، ويتغدي الصياد معنا ، وينام قيلولته ، ثم يعود إلى قريته عصراً ، وكُنا سُعداء !!.
نذهب إلى مدرستنا جماعات ، ونحن نردد الأناشيد التي ندرسها ، دقت ساعة العمل الثوري ، والله زمان ياسلاحي ، قوم يامصري مصر دايماً بتناديك ، الله أكبر فوق كيد المعتدي ، نغني والمطر يتساقط فوق رؤوسنا ، وأرجلنا النحيلة تغوص في الوحل حافية ، بعدما نزعنا عنها أحذيتنا الكاوتش ماركة ( باتا ) أم ثلاثين قرشاً ، ووضعناها تحت إبطنا ، ونضحك مِلء ثغورنا البريئة ؛ فقد كُنا سُعداء !!.
لم نكن نعرف الحلوى ، إلا تلك التي تعود بها أمهاتنا من السوق ، عُقد مُرصع بحباتٍ هشة تذوب في الفم فور التقاطها ، أما الحلاوة الطحينية فقد سمعنا باسمها ذات مرةٍ من زميلة لنا ، فسألناها هل أكلتها ، قالت لا ، ولكن بنت خالتها الساكنة في المنصورة قد أعطتها الورقة التي كانت بها الحلاوة ذات يوم ولحستها ، لكننا كُنا سُعداء !!.
لم نعرف أن البيض يؤكل إلا مُتأخراً ، فقد كان ( عُملة ) للتداول ؛ نحلق بها رؤوسنا ، ونشتري بها قلم رصاص أو كشكول ورقي ، لكن ولسوء الطالع ، جاءنا زميل يدرس معنا ، أبوه من القاهرة وأمه من قريتنا ، يحمل حقيبة خشبية غريبة علينا ، تعاونا جميعاً في تكسيرها ؛ حتى نتساوي في حمل كُتبنا في أكياس من القماش أو رؤوس الوسائد البالية ، ضبطنا مع هذا الزميل في شنطته ( سندوتش ) ذا رائحة نفاذة ، عرفنا منه أنه بيض مسلوق ، رمينا السندوتش وحُطام الشنطة في الترعة المُلاصقة للمدرسة ، ونحن نضحك ، وهو أيضاً يضحك معنا ؛ فقد كُنا سُعداء !!.
في المدرسة كنا نتعلم فعلاً ، الكُل حريص على تعليمنا ، لا نتعلم الحساب والعربي فقط ، وإنما الرسم والنحت والتمثيل وقراءة القرآن والموسيقى ، إي والله الموسيقى ، تخيّل مدرسة ريفية في دلتا مصر ، تُعلّم تلاميذها العزف على العود مَجاناً ، ولهذا كُنا سُعداء !!.
كانت ألعابنا الاستغماية وسباق الجريّ والكرة الشراب ، وهواياتنا صيد السمك والتقاط أعشاش العصافير من أعالي الشجر ، وجمع حبات التوت والجميز ، وأغاني أفراحنا ياللي ع الترعة حَوّد ع المالح ، وتستاهلي ياللي رجالك دولا ، ويابخت اللي خطيبها خولي ، وكُنا سُعداء !!.
كانت سعادتنا حقيقية ، إذا أكلنا ، تشهيّنا طعامنا وتذوقناه مهما كان مُتواضعاً ، وإذا نمنا ، ننام بعمق ، وإذا ضحكنا ، جلجلت ضحكاتنا توقظ النجوم الغَفلي ويرقص على أنغامها القمر ، وإذا بكينا ، تدفق الدمع سخيناً وتحدر كشلال من عيوننا ، لكنه سرعان مايجف ؛ حين نسمع كلمة تطيب خاطرنا ، أو يد حانية تربت علينا ، وتمسح رأسنا ، أو حضن دافئ نختبئ في غمار فيّض حنانه !!.
لقد كُنا واللهِ سُعداء !!.

شاهد أيضاً

سامى حربى يكتب.. كلمتين وبس

مقال رائع للمبدع الدكتور ابو المجد الشوربجى كعادته دائما اصاب فيه كبد الحقيقة عن رحيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *