لم نكن نعرف السيد المحافظ ، ولا معالي الوزير ، حتى الزعيم لم نكن نعرفه إلا من صوته يخطب في الجماهير عبر الراديو فيملأ القلوب حماسةً ، لكننا كُنا سُعداء !!.
يأتي السمك من النيل أو الترعة مُباشرةً ، يرقص في مقطف الصياد الذي يحمله على رأسه أو بين يديه ، فتأخذه أمي إلى فرنها المُشتعل دوماً ، فتشويه ، ويتغدي الصياد معنا ، وينام قيلولته ، ثم يعود إلى قريته عصراً ، وكُنا سُعداء !!.
نذهب إلى مدرستنا جماعات ، ونحن نردد الأناشيد التي ندرسها ، دقت ساعة العمل الثوري ، والله زمان ياسلاحي ، قوم يامصري مصر دايماً بتناديك ، الله أكبر فوق كيد المعتدي ، نغني والمطر يتساقط فوق رؤوسنا ، وأرجلنا النحيلة تغوص في الوحل حافية ، بعدما نزعنا عنها أحذيتنا الكاوتش ماركة ( باتا ) أم ثلاثين قرشاً ، ووضعناها تحت إبطنا ، ونضحك مِلء ثغورنا البريئة ؛ فقد كُنا سُعداء !!.
لم نكن نعرف الحلوى ، إلا تلك التي تعود بها أمهاتنا من السوق ، عُقد مُرصع بحباتٍ هشة تذوب في الفم فور التقاطها ، أما الحلاوة الطحينية فقد سمعنا باسمها ذات مرةٍ من زميلة لنا ، فسألناها هل أكلتها ، قالت لا ، ولكن بنت خالتها الساكنة في المنصورة قد أعطتها الورقة التي كانت بها الحلاوة ذات يوم ولحستها ، لكننا كُنا سُعداء !!.
لم نعرف أن البيض يؤكل إلا مُتأخراً ، فقد كان ( عُملة ) للتداول ؛ نحلق بها رؤوسنا ، ونشتري بها قلم رصاص أو كشكول ورقي ، لكن ولسوء الطالع ، جاءنا زميل يدرس معنا ، أبوه من القاهرة وأمه من قريتنا ، يحمل حقيبة خشبية غريبة علينا ، تعاونا جميعاً في تكسيرها ؛ حتى نتساوي في حمل كُتبنا في أكياس من القماش أو رؤوس الوسائد البالية ، ضبطنا مع هذا الزميل في شنطته ( سندوتش ) ذا رائحة نفاذة ، عرفنا منه أنه بيض مسلوق ، رمينا السندوتش وحُطام الشنطة في الترعة المُلاصقة للمدرسة ، ونحن نضحك ، وهو أيضاً يضحك معنا ؛ فقد كُنا سُعداء !!.
في المدرسة كنا نتعلم فعلاً ، الكُل حريص على تعليمنا ، لا نتعلم الحساب والعربي فقط ، وإنما الرسم والنحت والتمثيل وقراءة القرآن والموسيقى ، إي والله الموسيقى ، تخيّل مدرسة ريفية في دلتا مصر ، تُعلّم تلاميذها العزف على العود مَجاناً ، ولهذا كُنا سُعداء !!.
كانت ألعابنا الاستغماية وسباق الجريّ والكرة الشراب ، وهواياتنا صيد السمك والتقاط أعشاش العصافير من أعالي الشجر ، وجمع حبات التوت والجميز ، وأغاني أفراحنا ياللي ع الترعة حَوّد ع المالح ، وتستاهلي ياللي رجالك دولا ، ويابخت اللي خطيبها خولي ، وكُنا سُعداء !!.
كانت سعادتنا حقيقية ، إذا أكلنا ، تشهيّنا طعامنا وتذوقناه مهما كان مُتواضعاً ، وإذا نمنا ، ننام بعمق ، وإذا ضحكنا ، جلجلت ضحكاتنا توقظ النجوم الغَفلي ويرقص على أنغامها القمر ، وإذا بكينا ، تدفق الدمع سخيناً وتحدر كشلال من عيوننا ، لكنه سرعان مايجف ؛ حين نسمع كلمة تطيب خاطرنا ، أو يد حانية تربت علينا ، وتمسح رأسنا ، أو حضن دافئ نختبئ في غمار فيّض حنانه !!.
لقد كُنا واللهِ سُعداء !!.










