كانت في حاجة دائمة للتعامل معها برقة بالغة، تقدر قيمة المشاعر جيدًا، تتوق شوقًا لهذا، تتطلع وتحلم بتلك الأيادي الحانية، تتمنى أن يغمرها حب جارف حرمت منه منذ سنوات طفولتها الأولى، حين ألقى بها الحظ العاثر وسط بيئة تحرم عليها كل هذا، تراه ضعفًا، تجده عيبًا، تصنفه جريمة كبرى، تعده ضربًا من مستحيل، إثم وذنب لا يغتفر، تستنكر طباع هذه الصغيرة التي شبت فجأة، تمقت أنوثتها الطاغية، مخافة فطرة سليمة، متبرئة منها.
سارت فسابقتها يد جهل عقيم لتعيقها عن مواصلة السير بحريتها، لكنها لم تعتد الاستسلام ولم ترفع رايتها البيضاء يومًا، كانت تتفوق على نفسها بقوة تحمل جبارة وعناد لا ينكره أحد، سبحت بكل طاقتها ضد تيار خوفها الكامن بداخلها، هكذا عاشت دافعة عن حقها في الحياة بفطرتها السليمة، فطرتها التي أوجدها وهيأها لها خالقها.
كبرت الصغيرة وازداد وهج جمالها، طغت عليها رقتها، رغم أنف الجميع، تشبثت بحلمها، بحقها في العيش كما تحب وكما تهوى، جذبت أنظار الكثيرين إليها، وهذا ما كان يمثل رعبًا وتحديًا أكبر لأسرتها وعائلتها التى عملت على مدار سنوات على وأد طاقتها، كانت تدير للهموم ظهرها، تتحمل الإيذاء الواقع عليها محتسبة لربها، كم حاربت، كم قاتلت، ثم عكفت بعد ذلك على ترتيب فوضى نفسها، حددت أهدافها، خططت، تقدمت في دراستها ثم في ميدان عملها.
انشغلت بعد ذلك بالبحث عمن يشبهها، عمن يخلصها من هؤلاء الذين كانت تصفهم بقساة القلوب، أصحاب الأنفس الضعيفة والبالية، صالت وجالت بحثًا عن هذا الذي ستعيش إلى جواره بقية حياتها بجانبه، لا أمامه ولا خلفه، أوهمتها الحياة بأنها قد عثرت عليه، وأنها قد وجدت بالفعل ضالتها، إذ جمعت بينها وبينه الأقدار، إنه المخادع الذي تمكن بدهائه من إظهار صورة لا تعبر عنه مطلقًا، هو مخلوق يتغذى على ظلم الآخرين، لا يرى سوى نفسه ورغباته التي يحيا من أجل تحقيقها وإرضائها.
لقد بالغ في تقمصه لدور الإنسان الهاديء، دمث الخلق حلو الطباع، كان يخفي خلف غموضه أخلاق غير أخلاقه وحقيقة تتنافى مع حقيقته المعقدة، وهكذا ربطت الحياة بينهما برباط مقدس، رأت فيه حبل مشنقة يتدلى، يحكم قبضته حول رقبتها، تتذكر ماضيها، تبتسم مرة أخرى رغم الألم والخذلان فهذا كان دأبها، لعلها بذلك توحي لمن يتمنون انهيارها بأنها تحيا بين جنة ونعيمها.
تمر سنوات عدة تتحداها بمصاعبها وعثراتها، تصبر الأنثى البطلة وتصر على الحياة محافظة على أبنائها، تحول بينهم وبين أب تنصل من مسئولياته شيئًا فشيئًا، تخشى عليهم من شخصية لم تر سوى مطالبها ومصالحها، حتى وجدت نفسها ورغمًا عنها تتبرأ من فيض أنوثتها برغبتها، تخلع تاجها البراق وتلقي به بعيدًا عنها، ثم تعود مرتدية ثوب الرجال عله يحميها من عالم يبرع في تصيد الفرص، يتحينها وينقب عنها.
تمسكت بتعاليم دينها أكثر وأكثر، كانت تهرب بكل أحمالها، تدخل محراب تعبدها، متنازلة برغبتها عن متع الحياة الزائلة، سعت نحو الزهد المغلف بطاقة إيمانها، عاشت في ثوب قديسة، فلم تعد الحياة تهمها أو تعنيها، ولم يشغلها زخرفها.
توجهت نحو السماء، فدمعت عيناها، حبستها على الفور، خوفًا من أن يلحظها أحد، فهى تدرك تمامًا وتعلم أنها تحيا في عالم يحرم عليها الشكوى، يساومها بين التحرر وبين هدم بيتها، الاختبار صعب، الابتلاء عظيم، لكنهما لن يتمكنا من الصمود أمام يقينها برحمة ربها، تهمس لنفسها، تذكرها بأن الصبر سيعقبه جبر ومدد بلا عدد.










