لم يكن نصر أكتوبر 1973 مجرد انتصار عسكري عابر بل كان نقطة تحول في وعي الأمة المصرية والعربية ومعركة فريدة انتصر فيها العقل والإرادة قبل أن ينتصر السلاح. لقد أثبت المصريون أن القوة لا تُقاس بعدد الدبابات أو الصواريخ بل بقدرة الشعوب على تجاوز الهزيمة والإيمان بحقها في الحياة والكرامة.
قبل عبور القناة خاضت مصر معركة صامتة ضد الانكسار واليأس معركة كان فيها القرار الأخطر هو استعادة الثقة. فقد خرجت الدولة من نكسة 1967 وهي تدرك أن استرداد الأرض يبدأ باسترداد الوعي. كانت سنوات ما قبل أكتوبر مرحلة إعداد للعقول والقلوب قبل إعداد الجيوش حين تحولت روح الأمة كلها إلى جبهة واحدة وجاء النصر تتويجا لإرادة وطن اختار أن ينهض لا أن يندب.
أدركت القيادة المصرية أن الحروب الحديثة تُكسب بالتخطيط قبل القتال وأن المفاجأة جزء من النصر. لذلك جاء عبور السادس من أكتوبر تتويجا لواحدة من أذكى خطط الخداع الاستراتيجي في التاريخ العسكري ، حيث نجحت مصر في إخفاء نواياها حتى عن أعين أجهزة الاستخبارات التي كانت ترصد كل شبر في سيناء. وفي لحظة محسوبة بالدقيقة تحولت قناة السويس إلى جسر من النار والعزة وعبر المصريون المستحيل بعقولهم قبل أن تعبر أقدامهم.
لقد كانت معركة أكتوبر ملحمة فكرية بقدر ما كانت ملحمة قتالية. فقد واجه الجندي المصري أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” بروح لا تعرف المستحيل وبعقل مبدع استطاع أن يحول أبسط الأدوات إلى وسيلة لاختراق أعقد التحصينات. خراطيم المياه التي أسقطت خط بارليف كانت تجسيدا لعبقرية مصرية أدركت أن الذكاء قد يهزم الحديد وأن التفكير قد يكون أبلغ من القوة.
كان النصر في أكتوبر نصرا لكرامة الإنسان المصري الذي رفض الهزيمة ونصرا لقيادة آمنت أن الشعوب لا تنهض إلا حين تتحد الكلمة وتتسق الإرادة. لم تكن الحرب قرارا عسكريا فقط بل مشروعا وطنيا شارك فيه الجميع من الجندي على الجبهة إلى العامل في المصنع إلى الفلاح في الحقل إلى الأم التي كانت ترسل أبناءها إلى الموت بثقة أن العودة ستكون راية النصر.
أكتوبر لم يكن عبور قناة فحسب بل عبورا من مرحلة الانكسار إلى مرحلة الفعل من الهزيمة إلى المبادرة من التشتت إلى الثقة بالنفس. ومن هذه الروح استمدت مصر فيما بعد قدرتها على خوض معارك التنمية والبناء، وهي المعارك التي لا تقل شرفا ولا صعوبة عن معارك السلاح. فمن ينتصر في الميدان بإيمانه يستطيع أن ينتصر في معركة الاقتصاد والإنتاج بذات الروح والعزيمة.
اليوم وبعد أكثر من نصف قرن على النصر العظيم ما زال السادس من أكتوبر يذكّرنا بأن العقل المصري حين يتحرر من الخوف يصنع المستحيل. وأن الإرادة الوطنية حين تتوحد لا تقف أمامها قوة على الأرض. إن الدرس الباقي من أكتوبر أن المعارك تُكسب بالوعي أولا وبالإيمان بالذات ثانيا ثم بالسلاح ثالثا.
لقد علّمنا أكتوبر أن النصر الحقيقي لا يُقاس بمسافة الأرض المحررة بل بقدر ما تحررت النفوس من الوهم والهزيمة. ولذلك سيظل هذا اليوم علامة مضيئة في التاريخ ليس لأنه سجل انتصارا عسكريا باهرا بل لأنه جسّد عبقرية أمة صنعت مجدها بالعقل والإرادة وأثبتت أن مصر حين تُقرر فإنها تنتصر.










