الله يعكنن عليك يامصطفي يابكري ؛ عصرت علي نفسي عشر ليمونات ، وجلست أمام الشاشة أتابع برنامجه ، لعلي أسمع جديداً أو أعثر علي معلومة أو خبر مفيد ، خاصةً وقد عنون برنامج ب( حقائق وأسرار ) ، علي اعتبار أن مايقوله هي الحقائق التي لايأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، وأسرار جاء بها من دهاليز صناعة القرار ، والتي لايعرف دروبها سواه ؛ فهو الصحفي اللهلوبة الألمعي ، فشر شارلوك هولمز أو جيمس بوند !!.
فإذا بي – وبعد ساعة من الصبر الأيوبي المرير – لا تصل آذاني سوي وصلات مدح ، هي للنفاق أقرب ، تثير في النفس التقزز والاشمئزاز !!.
فما بين المدح والنفاق شعرة دقيقة ، مردها إلي صدق المادح ، وانطباق المدح علي الممدوح ، وعدم المبالغة الممقوتة ، والتي تذكرنا بالمتسول الذي يضفي عليك صفات أبعد ماتكون عنك ، طمعاً في نشل مافي جيبك ، وهي ذات الصفات التي يخلعها علي كل مَن يلقاه غيرك !!.
وقد ذكرني بعمنا الكبير أبو الطيب المتنبي ، الذي أراد أن يطيب خاطر أميره ونديمه سيف الدولة الحمداني ، حين هبت رياح فخلعت أوتاد خيمته ، في إحدي رحلاته ، فقال له بأن الخيمة عندما رأته ، خرت له ساجدة !!.
وهو نفسه الكبير أبو الطيب ، الذي سمع المؤذن يؤذن للصلاة ، وسيف الدولة الحمداني يتناول عدة كؤوس من الخمر في مجلسه ، فأراد أن يُبرر له ذلك فقال للمؤذن :
ألا أذن ، فما أذكرتَ ناسي .. ولا ليّنت قلباً وهو قاسي !!.
ولا شُغِل الأمير عن المَعالي .. ولا عن حق خالقِهِ بكاسِ !!.
ومايحزنني حقاً ، هو أن يكون هذا حال إعلامنا ، والذي يتأرجح بين المدح والردح ، بين النعيق والنفاق ، بين التفاهة والبلاهة !!.
وأشفقت علي بلادنا التي ابتليت بهؤلاء ، الذين يعكسون صورة مزرية لأخطر مايُشكل وجدان الناس ووعيهم وثقافتهم وأذواقهم !!.
وأمسكت يدي أن أذهب إلي قناة أخري ، فألقي نفس المصير ، وينتابني كابوس يمنع النوم عن عيوني ، واكتفيت بهذا الغثاء الذي شاهدته ، ثم تناولت مُهدئاً للأعصاب ، وخلدت إلي نومي ، مَقروح الجَفن كسيف البال مَحزوناً ، لعل النوم يأتي !!.
وتأكد لي أن سمومنا .. في إعلامنا !!.










