كانت المهرجانات جزءًا من الوعي الجمعي للأمة، تُقام بروح رسالية تحمل في جوهرها أهدافًا ثقافية ووطنية خالصة. لم تكن المهرجانات مجرد منصات للغناء أو الرقص، بل كانت مشروعات فكرية تسعى لإحياء الذاكرة الوطنية، وإعادة تقديم الفن بوصفه أداة وعي وتنوير. كان الفنان يقف على المسرح حاملاً رسالة، لا مجرد لحنٍ جميل أو أداءٍ صاخب. كانت الكلمات تُكتب بعناية، والألحان تُنتقى بعينٍ تحترم الذائقة العامة، والجمهور يأتي بشغف الباحث عن الجمال والمعرفة، لا لمجرد التسلية العابرة.
كانت الدولة آنذاك ترى في المهرجانات وسيلة لتعزيز الهوية الوطنية في مواجهة موجات التغريب والاستعمار الثقافي. فالموسيقى والمسرح والشعر كانت أدوات مقاومة بقدر ما كانت أدوات تعبير. ولذا، لم يكن غريبًا أن تحمل المهرجانات أسماء رموز أو مناسبات وطنية، وأن تُوجَّه دعواتها للمفكرين والمبدعين قبل الفنانين التجاريين. كانت المهرجانات آنذاك انعكاسًا لوعي الشعوب بذاتها، ولمعناها الحضاري العميق.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد رأسًا على عقب. تحوّلت المهرجانات في معظمها إلى ساحاتٍ تجارية تُدار بعقلية السوق، حيث تُقاس القيمة بعدد الرعاة والإعلانات والمشاهدات، لا بما تقدمه من فكر أو رسالة. أصبح الفنان نجمًا قبل أن يكون مبدعًا، وأصبح الجمهور متلقّيًا سلبيًا يبحث عن الصورة والصوت والأزياء لا عن المعنى والمضمون. فقر المحتوى صار السمة الأبرز، والسطحية صارت غلافًا لفراغٍ ثقافي يزداد اتساعًا مع الوقت.
لقد أصبحت اليوم تعكس انبهارًا بالغرب وتقليدًا لمفاهيم لا تمتّ لثقافتنا بصلة، وكأنها تتسابق في الانسلاخ عن جذورها الحضارية لتبدو “عصرية” في الشكل، ولو على حساب المضمون. تُستورد الأفكار والأنماط كما تُستورد الملابس والعلامات التجارية، وتُغيب اللغة في شعاراتها، ويُهمّش التراث لصالح موسيقى سريعةٍ ومؤثراتٍ بصرية لا روح فيها.
إن الفرق بين المهرجانات في الأمس واليوم ليس في الشكل أو التقنية، بل في المعنى والغاية. فحين يغيب الوعي الثقافي، يُصبح الفن بلا روح، والمهرجان بلا رسالة، والجمهور بلا انتماء.










