النقد في جوهره ليس ظلّا باهتا يزحف خلف خشبة المسرح، ولا مرآة كسولة تكتفي بأن تعكس ما يقدّمه الآخرون، إنه القصر المشيَّد على أنقاض الأسئلة، والعرش الذي تُعلَّق عليه الأوسمة الحقيقية للعرض المسرحي، هو الحَكَم العادل، المفسّر، المؤوّل، الذي لا يساوم على الجمال ولا يتغافل عن العثرات، ولأنّه يمتلك المعايير وأدوات التحليل، صار ميزانا نزيها، لا يَثقل كفّته سوى بالمعايير الجمالية، ولا يميل إلّا لصوت الحقيقة، لذلك كان النقد هو الكلمة التي تكتب تاريخ الفن بمداد لا يمحوه الزمن، ولا يُنحاز إلا للجمال، ومن يظن أن العروض تثبت قيمتها بذاتها فقط، ينسى أن النقد هو الذي يخلّدها في الذاكرة؛ يحوّلها من لحظة عابرة فوق خشبة المسرح إلى أيقونة جمالية تتردّد أصداؤها في الحاضر والمستقبل، فالنقد ليس تصفيقا إضافيّا يختلط بضجيج القاعة، بل منارة تضيء الدرب، تحفظ للفن مكانته، وتقيه من غواية الولاء المزيّف وبهرج النجوم المؤقتة، غير أن المفارقة الساخرة أن بعض النقّاد سلّموا العرش بمفاتيحه، وخلعوا عن أكتافهم وشاح النقد، ليتحوّلوا إلى شهود صامتين على غرباء يوزّعون المقاعد ويمنحون الألقاب كما يشاؤون، فغدوا صورة صارخة لذلك المثل الشعبي العراقي (سلّم دكّة بيته للغريب، وكام الغريب يطرده)؛ وكأن البيت الذي كان مأمنا صار منفى لصاحبه، وهكذا انحدر النقد من سيادة تُهاب إلى تبعية تُستجدى؛ ومن مقام يزن الجمال إلى موقف يترقّب التصفيق، لقد صار الناقد، بعد أن كان صاحب القول الفصل، متّهما في قفص المسرح، يترقّب حكم المؤلف والمخرج والممثّل، وسائر صنّاع العرض، بل وحتى الجمهور الجالس في القاعة، فغدا بعضهم كمن باع صوته لقاء مديح مصطنع، أو ارتضى رضا عابرا يمنحه وهم غنيمة قادمة، بل إن الصورة ازدادت قتامة حين تماهت مع مثل شعبي عراقي أكثر تهكّما والذي يقول (المُلّا الذي تعلّم من جفچير الطباخ)، وبدلا من أن يُعلّم الناقد المؤلف والمخرج والممثل أُصول الجماليات ويكشف مكامن الضعف في النتاج الفني، نرى بعضهم اليوم يتلقى الدروس منهم؛ كيف يكتب، وكيف يقرأ العرض، بل وكيف يصفّق! وهكذا انحدر النقد من مقام المعيار إلى مهزلة التبعية؛ فلا بيت بقي له ليحكمه، ولا علم صانه من الانقلاب، كأننا أمام مشهد مسرحي عبثي يصوّر هبوط عرش النقد إلى قبو الولاء، وكيف يتحوّل الناقد؛ الذي كان يُفترض أن يكون القاضي العادل، إلى شاهد زور يبرّر أخطاء صنّاع العرض، أو إلى كاتب سطور على هامش نصّ يُملى عليه من فوق خشبة المسرح.
لقد أصبح بعض النقد اليوم مرآة باهتة للعمل الفني، مع أن المنطق يقتضي أن يكون العكس؛ أن يكتسب العرض قيمته من عين الناقد التي تفسّره وتؤوّله وتمنحه مقامه في سجل الجماليات، فالناقد - لا غيره - هو القادر على أن يرفع العرض من كونه لحظة عابرة فوق الخشبة إلى أن يصبح وثيقة جمالية تُؤرّخ وتُستعاد، غير أنّنا نراه اليوم يتكئ على اسم مخرج لامع، أو مؤلف مُتوّج بالجوائز، أو ممثل تُصفّق له القاعة بحبّ جارف؛ فيتزاحم عند أقدامهم، ويتسلّق على أكتافهم ليقتبس من بريقهم ضوءا لمقاله، وهكذا لم تعد قيمة المقال تُقاس بصرامة المعايير ولا بعمق التحليل، بل باتت ترتفع وتهبط طرديّا مع القيمة التي يمنحها صُنّاع العرض لأنفسهم، حتى صار النقد تابعا يلهث وراء المجد بدل أن يصنعه، علما أن هذه الأزمة لم تهبط من سماء فارغة، بل لها جذور تمتد في تربة هشّة، أوّلها خوف النقّاد من خسارة (خبز العلاقات)، فهم يدركون أن الكلمة الحادّة قد تغلق في وجوههم أبواب الدعوات والعروض، فيستبدلون الصدق بالولاء، والجرأة بالمجاملة، وثانيها غياب المؤسّسات النقدية الجادّة، التي كان يفترض أن تكون حصن النقد ودرعه، فإذا بها تغدو أطلالا لا ظلّ لها، تاركة الناقد عاريا أمام إغواء التملّق بلا سلطة تحميه ولا إطار يردعه، أما ثالث الأسباب فهو الأشد مرارة؛ وهو ثقافة الشهرة؛ إذ صار بعض النقّاد يحلمون بأن يكونوا نجوما على خشبة المسرح، لا حَكّاما يزنون جمالها، فتحوّل المقال عندهم من منبر للعرض إلى مرآة للذات، ومن تحليل فني إلى بطاقة دعوة لحضور الناقد نفسه، لا لحضور المسرحية، لكن هل انتهى النقد فعلا إلى قبو الولاء وأنزل على نفسه ستارة خشبة المسرح؟ ليس بعد؛ فالمسرح في جوهره فنّ الصراع والجدل، وما دام ثمّة عرض يولد على خشبة المسرح فلا بد من عين تحاكمه، ولسان يفضحه أو يزكّيه، وقلم يثبّت أثره في ذاكرة الزمن، وإنّ الخلاص ممكن لكنه يحتاج إلى جرأة الناقد لا إلى استعارة جرأة الممثل، فعليه أن يستعيد استقلاليته المسلوبة، ويكتب كما يليق بضميره لا كما يُملى عليه من كواليس الولاءات، وعليه أن يرمّم الجسور مع الجمهور، ليعود المقال النقدي مرجعا للقارئ، لا ملحقا باهتا يُوزّع مع فولدر العرض المسرحي، كما لا بدّ أن تنهض المؤسسات الأكاديمية والثقافية من سباتها، فتفتح أبوابها لولادة أقلام جديدة، أقلام لا ترتجف أمام سطوة الأسماء ولا تتسوّل فتات الشهرة، وحينها فقط يُفهم أن النقد ليس خصما للعمل الفني، بل رفيقه الصارم، يرافقه منذ لحظة الميلاد حتى تخوم الخلود؛ شاهدا لا تابعا، قاضيا لا مهرّجا.
إن المشهد اليوم يبدو كلوحة مسرحية كوميدية سوداء؛ فبعض النقاد يجرّون عروشهم خلف الكواليس، يبرّرون أخطاء المخرج ويصفونها رؤية جمالية لما لم يره، ويستجدّون ابتسامة الممثل، ويكتبون مقالات أشبه ببطاقات معايدة للعرض؛ أوراق تهنئة لخشبة المسرح نفسها، مجاملة لصنّاع العرض المسرحي، لا كلمات تصنع بصيرة أو وعيا للقارئ، كأن النقد صار مجرد مهرّج يوزّع الابتسامات على خشبة تزينت بما لم يُستحقّ، بينما الحقيقة تنظر من وراء الستار، ومع ذلك هذا ليس قدر النقد ولا نهايته، فالتاريخ لم يخلّد أسماء الممثلين وحدهم، بل كتب أسماء النقاد الذين حوّلوا العروض إلى أيقونات خالدة، ولهذا يجب على كل ناقد أغوته المجاملات والولاءات أن يستيقظ من سباته، أن يرفض أن يكون (مستسيّدا) و(تابعا متملّقا)، وأن يعود إلى عرشه الحقيقي؛ عرش النقد، وإلا فسيظل يتردّد عليه المثل الشعبي ساخرا من حاله؛ (النقد سلّم دكّة بيته للغريب، حتى صار حال بعض النقاد مثل المُلّا الذي تعلّم من جفچير الطباخ؛ لا بيت بقي لهم يحكمونه، ولا علم صانوه من الانقلاب)، ويجب أن يعلم الجميع أن النقد ليس زخرفة للعرض ولا زينة تُعلّق على ملصق المسرحية، بل هو الحكم الذي يحدّد معايير الجمال والصدق، فيرفع العرض المسرحي إلى مصاف العلى، فيمنحه المكانة التي يستحقّها ويبرز جماله وإبداعه ليصبح إنموذجا مرموقا، أو يكشف عوراته، ويفضح الأخطاء والقصور وما تخفيه الأقنعة والزينة، ويعرّي نقاط ضعفه في النص، الإخراج، الأداء، وكل عناصر العرض، ليبقى النقد بذلك مرشدا صادقا؛ يرفع الجيد، ليعلو ويزدهر، ويواجه الضعيف ليُعالج أو يُنتقد، ويضمن أن يبقى المسرح ساحة للجمال والصدق، ويظل النقد سيدا يضيء الحقيقة لا تابعا يلوذ بالمجاملات، وما بين عرش النقد وقبو الولاء، خيار واحد فقط يحفظ له هيبته؛ أن يعود إلى ذاته، يسترد البيت من يد الغرباء، ويذكّر (المُلّا) أنّه لا يتعلّم من (جفچير الطباخ)، فلا بريق ولا اسم ولا تصفيق زائف قادر على أن يضيء مكانه أمام ضوء المعايير الصارمة وجرأة القول، تلك المعايير وحدها تصنع من النقد سيّدا حكيما، لا تابعا مستسيدا، ولا شبحا خائفا يختبئ خلف الستار، ولا دمية تتراقص بأوامر العرض، بل رقيبا يقيس الجمال، وحاكما يكشف العور ويفضح مواطن العيب، ضوءه يرفع الستار عن الحقيقة، ولا يُطفئه بريق زائف ولا تصفيق مصطنع، يرفض أن يصبح مهرّجا يبتسم لخشبة المسرح بدلا من أن يحكم عليها، ويترفّع عن الغناء للأضواء الزائفة، ليبقى التاريخ شاهدا على حكمه، لا على خضوعه، وتظل خشبة المسرح منيرة بصوت الناقد، لا بصدى التصفيق المزيف.
Post Views: 571