ما إن نوجه نقدا جادا لعرض مسرحي ما … حتى يقفز صاحب العرض غاضبا ليطلق علينا العبارة الكلائشية : (أنت لست وصيا على المسرح) كرصاصة رحمة أخيرة لإسكاتنا! لكن ما إن نفكك هذه العبارة حتى تظهر هشاشتها الفكرية والفنية التي لا يمكن ترقيعها بخطاب “الحرية الفنية”.
هذه السطور المتواضعة تحاول أن تبين لماذا هذه الجملة في جوهرها لا تصمد نقديا ولا فلسفيا ولا مهنيا ” ولا هم يحزنون.
الوصاية هي أن أطالب بمنع العمل أو إسكات صاحبه! أما النقد فهو أن نسأل علنا ( لماذا هذا البناء الدرامي المترهل؟ لماذا هذا الأداء القائم على الانفعال بدل الاشتغال الواعي بالجسد والصوت؟ لماذا الإيقاع مسطح لا يتطور؟ ولماذا يسوق الفراغ على أنه “غموض حداثي” يفترض بالجمهور أن يراه عبقرية؟ ) الرد بعبارة ” أنت لست وصيا ” ليس جوابا على هذه الأسئلة بل محاولة فاشلة لتجريم الأسئلة نفسها … واعتبار طارحها معتد أثيم!! وهذا هو القمع المتطرف للنقد باسم الحرية.
ومن التناقض الفادح إعلان البعض أن ( لا أحد يحدد للمسرح شكله ) و ( لا توجد معايير نهائية للجمال ) ثم يروج عمله في ذاته الوقت بكلمات دعائية حاسمة مثل ( عرض جريء … شكل غير مسبوق … قطيعة حداثية مع المسرح التقليدي )
على رسلك “يا عمي… كما يقول شيخ إبداعنا الدكتور ميمون الخالدي”! لا يمكنك أن تمنح نفسك وعرضك صفات قيمية مثل (جرأة … جدة … ثورية ) ثم ترفض مساءلتها!!
من حق أي مشاهد أن يواجهك بالقول ( أين تجلت هذه الجرأة تحديدا على الخشبة؟ أفي البنية؟ أم في العلاقة بين الجسد والصوت؟ أو في إدارة الإيقاع؟ ” أم في الفضاء المسرحي؟ )
كل ادعاء قيمة هو دعوة مفتوحة للفحص! من يرفض هذا الفحص ” كائنا من كان ” ينسف ادعاء القيمة من أساسه! بل ويؤكد تهافت منجزه.
المسرح ليس اعترافا شخصيا لنفسك في غرفة مغلقة! إنه خطاب علني يعرض في فضاء عام … يباع بتذاكر أو يمول ويسوق جماهيريا بمنح حكومية… ولأنك في هذا الفضاء تخاطبنا كجمهور !! يصبح من حقنا إبداء الرأي وتوجيه الملاحظات ” شئت أم أبيت …رضيت أم لم ترض” فلا تتعكز على عبارة ( أنت لست وصيا ) معطيا نفسك حق توجيهها لمن يسأل ويثبت ملاحظة ما على ما شاهده! وإذا كنت تتصور أنك توجهها حصرا لصاحب الملاحظة فأنت و اااهم … لأنك في حقيقة الأمر توجهها للجمهور كله كما للناقد… لترهب الجميع وتجبرهم على التصفيق الأجوف لمنجزك لا التفكير العميق فيه!
هذه العبارة ليست دفاعا عن الفن كما يروج بعض المتفذلكين… بل هجوم شخصي لفرض امتياز أحادي بلغة الوعيد والتخويف يهدف لسلبنا الكلام نحن ضحايا العرض
وهي ليست مقاومة حقة للوصاية أبدا … بل فرض وصاية قسرية على وعي المتلقي نفسه.
يا اعزائي… النقد المهني لا يكتفي بسؤال ( هل أعجبك العرض؟ ) النقد المعياري والحقيقي يصرخ بجرأة ( هل البناء الدرامي يتصاعد عضويا أم يدور كناعور برتابة ثابتة مملة؟ هل حركة الممثل داخل الفضاء تحمل معنى أم أنها انفعال متشنج يسد الفراغ؟ هل اللحظات المسرحية ضرورية أم مكررة لحشو الزمن وترقيع الفضاء البصري؟)
هذه أسئلة صناعة تعتمد مبادئ لا يمكن تجاوزها بلا معرفة لمجرد التجريب أو بطريقة استنساخية له من تجارب عالمية! العرض لا يخضع للذوق الشخصي العاجز عن مواجهة تساؤلات الجمهور بلغة فنية واعية.
لنتعلم أن تغطية العجز الفني والمعرفي فينا عبر اتهام مجاني للناقد بالـ ( وصاية ) ! هو اعتراف ضمني بأن عملنا لا يستطيع أن يبرر نفسه مهنيا وفنيا ومعرفيا.
هنا نصل إلى جوهر المسألة! عبارة ( أنت لست وصيا على المسرح ) لا تحمي المسرح من سلطة أحد! إنها محاولة لاحتكار تعريف المسرح نفسه وتسويق وهم إخراجي يرى أن كل ما يوضع على خشبته هو مسرح رغم عنا… وأي اعتراض عليه هو عداء للمسرح!
هذا ادعاء مغلق … ووصاية فكرية شاملة على معنى المسرح العظيم ! يراد لنا أن نقبلها بلا نقاش… والهدف منها واضح وبسيط … وهو منعنا من قول الجملة الوحيدة التي يخشاها العرض الضعيف المهلهل : ( هذا ليس تجريبا ولا حداثة أو ما بعدها واعية … بل ارتجال كسول واستسهال في صناعة أشكال جوفاء تسوق لنا بلسان نظري هجومي متعال وأحيانا شتائمي!)
أي والله .










