المباشرة تعبير شائع يتردد على ألسنة النقاد عند قراءة أي نص أدبي أو مسرحي ، أو مشاهدة عرض مسرحي ، بناء على ذائقة الناقد وانطباعه ، ولكن فلنؤسس للمباشرة المفهوم والظواهر والدلائل التي تجعل هذا الوصف في الميزان ، وليراجع كل ناقد نفسه ، وكل كاتب وطرف في العملية الفنية نفسه مخرجا أكان أم ممثلا للارتقاء بالذائقة الفنية ، ولابد لكل كاتب أن يضع نصب عينه ما يصل إليه من آراء من النقاد الأكاديميين وغير الأكاديميين والقارئين وتدبرها بعمق وليتدارس فيها لترقية إبداعاته ، وهذا المقال خلاصة قراءات وبحث لوقوف على مدلولها
المباشرة قتل للفن الدرامي ، و تعبير عن الوهن الدرامي في مفردات النص أو العرض نظرا لسيادة الفكرة، و كونه رسالة مجردة تلقينية لا تصل للجمهور عبر التجربة المشاعر والأحاسيس ، وفقدانه للجمال والمتعة الفكرية والفنية والتي لن يتقبل الجمهور من القراء أو المشاهدين المتعة بدونها ، مؤداه سطحية العمل لمعانيه المكشوفة وافتقاده للعمق مما يفرض السلبية على المتلقي ، ويحرمه متعة الاستكشاف والاكتشاف وفشله في استثارة المتلقي وإيصال رسالة العمل ،إذ يحرمه المتابعة بشغف وترقب وتشوق ولهف لمعرفة النهاية وقد يؤدي به لعدم إكمال النص أو مغادرة العرض .
ومظاهر المباشرة في النص أو العرض يبدو جلية في:
- تناول الفكرة بالخطب والمواعظ والنصائح في أسلوب تقريري تلقيني.
- لا يتحقق في الحوار التوازن بين الأسلوب الخبري (نقل المعلومات الضرورية وتوصيلها وتأكيدها ) والأسلوب الإنشائي ( الذي يجذب الجمهور ويستثير الحواس والتفكير وتنمية الوعي وإدراك العمل سواء أكان الإنشاء الطلبي (الأمر، الاستفهام، النداء) لجعل الحوار أكثر تفاعلية وفاعلية ، أو غير الطلبي (التعجب، القسم، المدح والذم) لإضفاء عمق عاطفي أو توكيد على حدث ما، فلا بد من التكامل بين الأسلوبين الخبري والإنشائي إذ أن الكتابة الأدبية عامة والمسرحية الفعالة خاصة لا تعتمد على أسلوب واحد، بل تجمع بين الخبر والإنشاء لتحقيق التوازن. فبينما يقدم الأسلوب الخبري المعلومات الضرورية، يأتي الأسلوب الإنشائي ليمنح الحوارات عمقًا إنسانيًا، ويُشغل القارئ أو المشاهد عاطفيًا وذهنيًا، إذ يشكّل الأسلوبان الإنشائي والخبري حجر الزاوية في كتابة المسرحية والدراما، حيث يتكاملان معًا لرسم شخصيات مقنعة، وبناء حبكة محكمة، وإثارة مشاعر الجمهور.
- شخصيات رمزية تستخدم كأدوات لتوصيل الفكرة ، شخصيات مبالغة في المشاعر التي تعبر عنها في النص ، أو من خلال الأداء المصطنع المتكلف الفاقد للتلقائية أي بتعبير أشمل وأدق فاقد للصدق الأداء ، الذي يتجلى في عدم تكافؤ وملائمة قدراته الأدائية من حركات وصوت وتعابير ولغة جسدية وتعزيزها للشخصية مما يؤثر على وظيفية الإيهام المفترض في العمل ، يل وحتى استسخاف وعدم التفاعل والنفور من محاولات كسر الإيهام ،شخصيات سطحية مجرد قشور لا تمكن المتلقي من سبر أغوارها ودوافعها، مما يفقدها مصداقيتها وعقدة العمل الواهية وتطور صراعاته وذرواته الثانوية تفتقد التطور المفترض المتلائم مع طبيعة الأشخاص والأحداث ، والصراعات، لتكون الحبكة مهلهلة تفتقد الترابط والإحكام والانسجام .
وجدير بالتنويه والذكر أن المباشرة تأتي غالبا على أجنحة الارتجال في العرض المسرحي، لابد لها من توازن إذا ما اشتملها العرض فتكون بمنأى عن الإفراط وإلا فرطت في عضد الدراما وبنيتها ، ومع أن المباشرة على ما تحمله من خطر على البنية الدرامية عند الإفراط فيها قد لا تكون دائمًا نقيضًا للفن إذ يمكن في بعض السياقات أن تتحول المباشرة الواعية المتوازنة الموظفة جيدا داخل العمل إلى أداة جمالية مقصودة تُستخدم بوعي لتوليد وإضافة معانى أخرى تجعل المتلقي يظل في حالة توتر خلاق بين الرغبة في البوح والرغبة في الإخفاء بين الوضوح والتأويل وهو في هذا التوتر يعيش ويتجدد.
ومن خلال الواقع والتجارب أدبيا وعمليا – العروض المسرحية- تبرز حقيقة نفور الجمهور من العمل الدرامي سواء أكان نصا أم عرضا في حالة فقدانه للجمال والمتعة الفنية والفكرية بعدم قدرته على إشراك المتلقي في تجربة إنسانية حية، فلا يتحقق لعمل الدرامي أدنى تفاعلية سوى السخط وعدم الرضا.










