بدايةً، الأخلاق وفي أبسط أبجدياتها ومعانيها، الحميدة منها وما يناقضها، مثل: الصدق والكذب، الوفاء والغدر، الأمانة والخيانة، الغيبة والنميمة وأكل مال الغير وحقوقه دون حق، التجسس وسوء الظن، ونصرة الضعيف ونجدته من ناحية والاستقواء عليه وسلبه واغتصاب حقه من أخرى، وغيرها من المفردات الأولية البسيطة للأخلاق. مثل هذه الأخلاق هل تتحلى بها الدولة ككيانٍ مؤسسي ممثلة في رأسها ومؤسساتها وهيئاتها مثلما يتحلى بها الفرد الواحد؟! وهل تأتي الدولة من الشرور والآثام وحتى الكبائر مثلما يأتيها الفرد الواحد؟! وهل يمكننا قياس ذلك كله مع الدولة مثلما الحال مع الفرد الواحد؟!
وفي إجابة بسيطة ومباشرة فإني أرى أن الدولة شأنها في التحلي بمكارم الأخلاق، أو إتيان ما يناقضها شأن الفرد الواحد تمامًا، فمثلما يصدق الفرد ويكذب تصدق الدولة وتكذب، والأمثلة في ذلك لا حدّ لها داخل الدولة الواحدة؛ فعندما تفي مثالًا بما وعدت به مواطنينها فهي صادقة، وإن لم تفعل فهي خلاف ذلك. وحتى المجموعة الدولية داخل التكتل الواحد؛ فعندما تقف بعض الدول مثالًا جانب محتلّ وترى في إبادته حقًّا مشروعًا ضد مقاومي هذا الاحتلال بل ترى فيهم إرهابيين فبمَ تصف ذلك؟! أليس كذبًا وزورًا وتدليسًا؟! وإجمالًا فإن تصريحات الدول المفردة، وحتى التكلات منها، فإنما هي سياسة. فهل عرفتْ أو تعرفُ أوستعرف السياسةُ صدقًا قط وأبدًا؟! لا، وإلا فليست سياسة؛ فالسياسة متلونة مراوغة لا ثبات لها ولا خلاق. وكما ذكر الدكتور مرسي المعزول رحمه الله فيما روى عن الأستاذ كمال الشاذلي رحمه الله أنها نجاسة، فكيف بربك يجتمع صدقٌ ونجاسة؟!
وأما الغيبة والنميمة وأكل مال الغير وحقوقه دون حقٍّ فكما يأتيها الفرد الواحد، والشواهد من حياتنا اليومية وفي مجالسنا وتجمعاتنا، وحتى على صفحاتنا عبر مواقع النميمة لا حدّ لها، تأتيها الدولة الرسمية أيضًا؛ فعندما يمشي -وكأمثلةٍ حيّةٍ- وزراء خارجية الدول الإمبريالية بين الدول بالغيبة والنميمة والأسافين، وفي شكلٍ رسمي للإيقاع بينها؛ فيتقوّلون على هذه بما لم تقله، ويكذبون على تلك بخلطةِ بهاراتٍ سحرية تُغلّفها سمومُهم وشرورهم كل ذلك لمآرب ومكاسب وأكل مال الغير وحقوقهم ونهب ثرواتهم ومقدراتهم دون حق. فإن لم تكن هذه هي الغيبة الرسمية والنميمة فبمَ تُسميها إذن؟! ثم ماذا ترى في دور مراكز الغيبة والنميمة والمسماة سفارات وقنصليات للغرب المحتل والصهيوأمريكي في دولنا وقارّتنا وأسافينها فينا، والتي اكتوينا بها فُرقة وقطيعة وضعفًا وفقرًا؟!
عندما تخون الدولة أمانة المسئولية وتغض طرفها عن معاناة الناس، وهي تعلم ذلك يقينًا، وإمعانها في ذلك تحت مبرراتٍ واهية تسوّغها لنفسها مطمئنة لعدم تجاوزهم الحدّ فإن في ذلك خيانة للعهد والأمانة فشأنها في ذلك شأن الفرد الواحد الخائن لأمانته المفرط في مسئوليته إلى آخره. وأما عن التجسس وسوء الظن فمثلما يأتيهما الفرد تأتيهما الدول وما أقمار التجسس وغيرها إلا دليلُ ذلك.
وإذا كان الفرد الواحد يمثل اللبنة الأولى في المجتمع فإن صلاحَه بحسن الخلق والقيم النبيلة صلاحٌ للمجتمع كله، وإذا كانت الدولة في ميزان القيم والأخلاق شأنها شأن الفرد فأولى بها أن تكون رأسًا مقدمًا في ذلك وقدوة للفرد وأسوة؛ فإذا ما انصلح حالها انصلح حال أفرادها دون جهدٍ منها في ذلك، فكيف تكون حسنة الخلق وأفرادها خلاف ذلك؟! فهي بداية لن ترضى بذلك؟! بل إن أفرادها لن يرضوا بأن يكونوا خلاف دولتهم ذات الأخلاق القويمة. ومن ثم فليكن شعارنا إن أردنا إصلاحًا : صلاح أمرنا للأخلاق مرجعه فلنقوم أنفسنا بالأخلاق تستقم أمورنا وأحوالنا. وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا. وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقهم فأقمْ عليهم مأتمًا وعويلًا. وفي الأخير سنبلغ بالأخلاق نهضةً وتقدّمًا ورفعةً ما لم نبلغْه بغيرها، وننالُ بها ما لم ننلْه بسواها، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة الحسنة؛ فبخُلقٍ منه عظيم غيَّر معتقدات أمّةٍ ألفت عليها آباءها وأجدادها فضلًا عن سلوكها وأفعالها.
وإذا كانت الدولةُ الواحدة جزءًا من المجتمع الدولي الواسع فإنها بأخلاقها الحميدة، ورغم ذلك، لا يمكنها مسايرة هذا العالم الواسع، والذي ثبُت للجميع أنه أشبه بغابةٍ كبرى يأكلُ فيها القويُّ الضعيفَ دون رحمةٍ أو هوادةٍ؛ فعندما نرى مثالًا القوة العظمى، والمنوط بها إقرار العدل، وحفظ الأمن، والسلم الدوليين أقوى داعمٍ للأشرار والظلمة واللصوص ومغتصبي حق الغير وسرقة أراضيهم، بل إنها رأسٌ في تدمير دول، وتشريد شعوب بدعاوى ثبت رسميًّا كذبها، العراق مثالًا، لتتلاشى أمامنا سجيّةُ نصرة الضعيف، ونجدته في مقابل الاستقواء عليه وسلبه واغتصاب حقه، فلسطين مثالًا، فعن أي أخلاقٍ أو قانونٍ يمكن التحدث عندئذ مع هؤلاء سوى القوة وقانونها. فالأخلاقُ إذن لك ولأهلك وحسب لتكون قمةً وقوةً، أما مع وحوش الغابة وحتى تنجو فلا بُدّ من القوة، والقوة الرادعة ” وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ “.










