أعتقد أن صورة العلاقة الناجحة في الزواج، تقوم على تحمل المسؤولية، في إطار ماهية التشاركية؛ حيث إن صفة المسؤول تنسدل على الطرفين؛ ومن ثم نضمن توزيع الأعباء، ونخرج من نفق اللامبالاة، ونرسم سيناريوهات مفعمة بالأمل والأمنيات، ولا نتخلى في لحظات الضعف عن أحلام قابعة في الوجدان، ومنشغل بها الأذهان، وبالطبع نوقن أهمية صنع قرارات واتخاذها في الوقت المناسب؛ كي نحصد نتائج مثمرة، وهذا بالطبع دلالة قاطعة على الإدراك القويم، ومعبر عن صورة الوعي الرشيد، في علاقة تتوزع مهامها على زوجين، تحملا بكل جدية وحب، شرف التكاليف الأسرية.
جدية الزواج تقوم على فلسفة الوفاء، وفق آليات منطقية، تؤكدها مسارات التنفيذ الصحيح، وتبرهن عليها منهجية تنطلق من مبادئ، لا تتعارض مع قويم المعرفة في مجالاتها المختلفة، إنها بكل بساطة رؤى سديدة، تعتمد صراحة على سيناريوهات، تحمل في مكونها خطط إجرائية، تؤسس على قيم النظامية؛ ومن ثم يشعر الجميع بطيف الطمأنينة، جراء بذل جهود صادقة، تبرهن عن صدق نوايا البناء، وفكرة الاستمرارية، المعبرة عن قناعة الأذهان، والوجدان، وفحوى الاستقرار المدعوم بالبيئة المواتية والمتوازنة، الخالقة لواحة الأمان، على المستويين النفسي والاجتماعي.
الجدية لا يفهم منها الانصراف عن متع مستحقة؛ فهي تمدنا بمساحة لا بأس بها من الاستمتاع بمفردات الحياة، في خضم الاعتدالية، الضامنة للبعد عن مظاهر الإسراف والتبذير؛ كي نصل لمرحلة صفاء الوجدان، اعتمادًا على ترفيه، يمنحنا طاقة الاستمرارية، ومقدرة السير نحو سبيل وصال إنجاز المهام اللامتناهية، وهذا يدعونا أن نكون حريصين على تعزيز لحظات السعادة؛ لنتجنب أن نحول بأيدنا لحظات المتعة، إلى صور الخلاف المضيرة في نهاية الأمر بالعلاقة الزوجية، والمؤثرة دون محالة على المكون الأسري بكامله.
أرى أن ميراث الشجاعة لدى طرفي العلاقة السامية، يقوم على ملامح ثقة، تؤكد دون مواربة على تفهم فلسفة الجدية؛ فالمواقف الصعبة، والضاغطة، والمربكة، لا تقف حجر عثرة أمام مسيرة الرحلة، وهذا تترجمه بكل جلاء، التصرفات التلقائية حيال مستجد مشكلات ليست بالبسيطة؛ حينئذ يتوجب التضافر من أجل الوفاق على تفكير مشترك، يخرج الزوجان من حيز الحيرة إلى واحة الطمأنينة والسكينة، وهنا نصل إلى مرحلة متقدمة في العلاقة، تبدو واضحة في قدرة تجاوز أوقات نصفها بالحرجة أو المؤلمة.
أتصوّر أن جدية الزواج لا تنفك البتة عن عاطفة يقدرها ويحميها ويغذيها الطرفان؛ حيث احترام المشاعر، والاهتمام بالاحتياجات، وإضفاء مناخ معزز للمحبة، ناهيك عن تركيز على الأولويات، الدالة على فقه العلاقة السوية، والمبرهنة على ماهية الإيثار، والمؤكدة على المثابرة؛ من أجل تحقيق غايات كبرى، تعود بالنفع على الكيان الأسري في الحال والمآل، وهنا لا بد من أن نواجه بصدر رحب حقيقة لا نحيد عن تفاصيلها؛ إذ تتمثل في التوازن بين المادة والعاطفة؛ فغياب أحدهما يؤثر على الاستقرار، وهذا يجعلنا دومًا قادرين على خلق الفرصة، التي تحسن من دخل الأسرة؛ لتستوفي احتياجاتها الرئيسة.
تصحيح المسار من مقومات جدية الزواج؛ إذ يورث في النفس تواضعًا، ويذهب بالرؤى إلى مكانة القوامة؛ فتصبح فلسفة التحسين والتطوير في سجايا التفكير مقرونة؛ فهناك دومًا دأبًا وسعيًا نحو المضي قدمًا تجاه غايات الإعمار؛ ومن ثم لا يجد الزوجان غضاضة في تعزيز ماهية النقد البناء، ولا بأس من توحيد الرؤى عند ضبابية المشهد، من قبيل الوحدة والتماسك وتحمل مسؤولية القرار، وهنا يتنامى الشعور الداعم للطمأنينة؛ حيث قوة الرباط، ووحدة المصير، والاجتماع على مائدة المحبة، التي لا يغيب ضياء فتيلها، وبالطبع يضمن ذلك التقدير والامتنان، الذي تحمله وجدانيات الشريكان.
نثق بأن جدية الزواج بوابة تحمي خلفها قدرًا لا يستهان به من الاستقرار النفسي، والعاطفي، والاجتماعي، ومقدارًا يضمن حياة زوجية، تمتلك مقومات السعادة، وتقوم على مبدأ الثقة المتبادلة، وتؤكد على صور الانسجام، الذي يشير إلى الفهم العميق لطبيعة الشخصية، بما يجعل طريق البناء ممكنًا، والتعاون رغبة، والرضا اتصاف لا يفارق الذات؛ ومن ثم يصمد الكيان أمام تموجات الأزمات، التي تمر على الزوجين مرور الكرام.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر










