أضحى الإبتذال في كثير من العروض المسرحية الليبية كأنه فن ؛ والصراخ المزعج غير المبرر كأنه فِعلُُ درامي فارق .. صراخ وعويل يوحي بأن حدثا جللا وقع أو سيقع ؛ ولكن لا شيء يحدث البتة؛ وسرعان ما ندرك أن الصراخ كان محشورا ومقبوحا، صراخ ينم عن الارتجال والفوضى ( غير الخلاقة ) .. صراخ عابر بلا أثر؛ وصرخات وانفعالات مدوية لا معنى لها ؛ بل صرخات فارغة غير ممتلئة بالدلالات؛ وإنما هي تكريس للاستسهال والاستهتار بالمتلقي ، صراخ بزعم التجريب والحداثة ؛ وأحيانا لدغدغة حواس العامة وأنصاف الفنانين والمثقفين وأرباع الصحفيين للحصول على ردود أفعال سطحية منها التصفيق وكلمة( أبدعتم ) . إنهم يتوسلون بالإنفعالات المبالغ فيها في محاولة قميئة لإستثارة المتلقي وليس لإيصال رد فعل أو فكرة وهدف درامي رصين؛ بل استحضار لقوالب جاهزة ؛ فالمخرج والممثل يقتبسان من رصيدهما ولا يتجددان ..
إن تكرار الصراخ في كثير من أعمال المخرج ناتج عن اضمحلال في فكره( هذا إن كان له فكر ) ونقص في ثقافته المسرحية وعدم فهمه لعنصري التشويق والإثارة( الدهشة ) .. هذا المخرج يستسلم دائما لتدخلات وإملاءات الممثل النجم والممثلة النجمة ؛ نجوم أكثر من نجوم الليل؛ نجوم في عز الظهر وهم حلقة مفرغة تكرر نفسها ، هؤلاء النجوم الآفلة يذهبون للصراخ لأنه المتاح عندهم ؛ ولا شيء في جعبتهم إلا الكليشيهات الثابة في الصراخ وفي كل شيء .. إفراط في الصراخ وكأن العرض لا يكتمل إلا به ؛ وكأن المخرج ما زالت صرخة ولادته تطن في أذنه وتلازمه. إن الممثل الذي يصرخ دون مبرر مقنع لا يمتلك ألقا ولا فكرا ولا يهمه عدم امتلاكه قدرة وموهبة في التمثيل ولا يعنيه افتقاره وقصوره وضعفه في فهم أبعاد الشخصية التي يؤديها – هذا إذا كان للشخصية أبعاد – ولكنه حذق في الصراخ اللامتناهي الذي يكشف هشاشة معرفته بالمسرح الحقيقي . حاوِل عزيزي الممثل أن تستبدل:
” لِمَ صرخت؟ ” ” بماذا صرخت؟ ” .
صراخ في التمثيل والموسيقى والإضاءة ،صراخ في المسرح والحياة ؛ فنحن نتقن الصراخ الفارغ على خشبة المسرح مثل ما نتقنه بالهتاف البائس والصارخ في مسرح الحياة.. ونحن نؤذن للصلاة ليكن صوتنا هادئا وجميلا دون صراخ ولنتذكر أننا أمام مكبر للصوت ،وأنت تلقي علينا درسك الديني أو خطبة الجمعة أو حديثك عن عذاب القبر ؛ ألا تستطيع أن ترشدني وتعلمني وتقنعني دون صراخ وتشنجات؟ .. إذن لا علاقة للقيود المكانية بالصراخ ، فالمسرح في الصالات والمسرح في الشارع ومسرح الحجرة لا يخلو من الصراخ،
فيا أيها المخرج ويا أيها الممثل ؛ المشاعر والخلجات وكوامن النفس لا تحتاج إلى صراخ وعويل للتعبير عليهن ؛ بل تستطيعان إذابة الحديد بالهمس لا بالصراخ . نحتاج إلى صرخة نفسية بكماء ؛ نحتاج صراخا خافتا عبر قنوات الجسم غير اللفظية، فالإيمائة جزء مهم من التواصل في المسرح كما الحياة ؛ نحتاج أيضا الصمت الدلالي لا الصراخ الأجوف؛ نحتاج صراخا مكثفا كصراخ الأبكم.
لقد أصبحت حياتنا المسرحية غير واضحة المعالم؛ وصارت عروضنا المسرحية تسير نحو تآكل العقل..
فلنراهن على ( جمال ) مرارة الصورة وليس قبح الصراخ ؛ ولنراهن على صوت الحوار الهادف والهمس الجميل ولو بعد طول ضجيج وصراخ .











