لا يبدو ما يحدث في العالم العربي اليوم تحولات عابرة، بل حلقات من دورة العمران التي رسمها ابن خلدون بدقّة قبل ستة قرون:
بداوة (تأسيس سياسي) → دولة → ترف → تخثّر → انحدار → سقوط → ظهور عصبية جديدة.
في منتصف القرن العشرين، خرجت الدول العربية الحديثة من عباءة الاستعمار بعصبية استقلال قوية: حلم مشترك وروح واحدة، وهي مرحلة البداوة السياسية التي حملت بذرة مشروع عربي جامع، لكنه تشتّت سريعًا مع تفرّق المسارات الوطنية.
دخلت المنطقة بعدها مرحلة الدولة، فبدأت بتشييد الجيوش والمؤسسات والبنى التحتية، لكن بصورة منفردة؛ كل دولة تبني لنفسها دون رؤية مشتركة أو سوق موحّدة، فبقيت هشاشة الإقليم أكبر من صلابته.
ثم حلّت مرحلة الترف: ثروات، مشاريع ضخمة، توسّع عمراني. لكنها كانت رخاءً بلا عصبية جامعة، فبقيت القوة ظاهرية أكثر من كونها حقيقية، وتحول الازدهار إلى لحظة هشّة تحمل في داخلها بداية التراجع.
بعدها بدأت مرحلة التخثّر: تضخم البيروقراطية، تراجع الكفاءة، تقلّص الطبقة الوسطى، وزيادة المحسوبيات. هنا بدأت الدولة تفقد حيويتها الأولى وأصبحت أقل قدرة على التجدّد وأكثر عرضة للركود.
واليوم تقف المنطقة في مرحلة الانحدار: أزمات اقتصادية ممتدة، صراعات داخلية، اضطراب العملات، وهجرة العقول، في حين يعيد العالم تشكيل خرائطه عبر تكتلات كبرى تصنع القوة الجديدة:الاتحاد الأوروبي كنموذج اقتصادي وسياسي متماسك، اتحاد دول جنوب شرق آسيا ،رابطة نافتا في أمريكا الشمالية الاتحاد الإفريقي الذي يزداد حضورا والتكتلات الآسيوية كالصين والهند ضمن تعاونات اقتصادية واسعة.
وفي مقابل هذه التكتلات المتماسكة، يقف العالم العربي بلا مظلة اقتصادية أو سياسية تجمعه، وبلا مشروع واحد يحوّل وزنه الجغرافي والبشري إلى قوة فاعلة.
وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يولد مشروع عصبية عربية جديدة قادرة على تشكيل تكتل عربي حقيقي—سوق واحدة، أمن مشترك، سياسات منسقة—أم تستمر العصبيات الصغيرة والتحالفات الغربية العابرة التي تعيد إنتاج مسار السقوط؟
المؤكد أن دولة واحدة لا تستطيع النجاة وحدها: اقتصاد صغير لا يصمد أمام العولمة، وجيش منفرد لا يواجه قوى تتحرك ككتلة واحدة، وسوق ضيقة لا تبني صناعة ولا تجذب استثمارًا. العصبية المطلوبة اليوم ليست قبلية ولا أيديولوجية، بل مشروع عربي موحّد ورؤية طويلة الأمد.والدول التي تظن أنها قادرة على النجاة وحدها تكرر الخطأ نفسه الذي حذّر منه ابن خلدون:”حين تنزوي الدولة عن محيطها، تسقط أسرع “،فالخروج من الإقليم ليس استقلالًا، بل انتحار سياسي واقتصادي ببطء.
في النهاية، دورة العمران قانون يتكرر:
الدول التي تفهم دورتها تتجدد، والدول التي تتجاهلها تعيد إنتاج سقوطها.
وفي خضم التكتلات والعواصف الدولية… لا أحد ينجو بمفرده.










