لابد أن نعترف بعيوبنا ونحاول إصلاحها، خصوصا ما يتعلق من هذه العيوب بالوطن والدين، فالأخطار المترتبة على هذه النوعية من العيوب يتجاوز تأثيرها السلبي الفرد إلى المجتمع بأسره، وتمتد نتائجها الخبيثة سنوات وسنوات، حتى تتحول إلى سرطان يضرب في جذور المجتمع، ويفسد بنيته الأساسية، فيصعب ـ وربما يستحيل ـ إصلاحها.
ومن هذه العيوب أن بعضا منا يتعاملون مع الوطن ومع الدين بازدواجية عجيبة، فهم يحبون الوطن لاشك في ذلك، ويتغنون بهذا الحب، لكنهم يتعاملون مع قضايا الوطن الكبرى باستخفاف واستهتار لايليقان بهذا الوطن الذي يحبونه، وما تقتضيه مصالحه الكبرى، ولا يدركون أن قضية مثل الانتخابات تشكل أهمية خطيرة بالنسبة لحاضر الوطن ومستقبله، تستلزم من جميع المواطنين أن يأخذوها بجدية، ويتفاعلوا معها بإيجابية، باعتبارها فرضا من فروض الوطنية تترجم الحب إلى أفعال لتحقيق ما فيه الصالح العام.
وبعض منا يبدون من مظاهر التدين ما يسر الناظرين، فيتمسكون بأداء الشعائر في أوقاتها، ويكثرون من الدعاء والذكر، وهو مسلك طيب لا شك في ذلك، لكنهم حين يتعاملون مع الواقع ينفصلون عن هذه الروح الدينية، أو يتناسونها، ولا يدركون أن قضية وطنية كبرى مثل الانتخابات تشكل اختبارا حقيقيا وواقعيا لالتزامهم الديني، الذي يجب أن يتجاوز المظهر إلى المخبر، ويتجاوز الشكل إلى المضمون، فالدين الحق ليس مجرد شعائر فارغة منفصلة عن الحياة، كما أن الوطنية الحقة ليست مجرد أغنيات في المناسبات، وإنما التزام وتطبيق على أرض الواقع.
والانتخابات في أي بلد متحضر عمل وطني وديني راق، ومسئولية أمام الله والوطن والضمير، ومن يفرط في هذه المسئولية أو ينحرف بها عن الهدف السامي الذي جعلت من أجله مقصر ومتقاعس وخائن للأمانة التي في عنقه، ومن يفصل الممارسة الانتخابية عن الخدمة الوطنية والفروض الدينية لا يعرف شيئا عن جوهر الإسلام الذي لا يفصل بين الدين والحياة.
نحن نذهب إلى الانتخابات لنختارالأصلح الذي يقوم بالمهام البرلمانية والتشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، وهذه مهام وطنية جليلة تستوجب مؤهلات وقدرات خاصة لدى من يضطلع بها ويقوم عليها، والواجب أن ننتخب الأكفأ لهذه المهام، ومن نراه بعين الوعي والضمير أهلا لها، والأجدر بأن يمثلنا، لا ننتخب من سنجني من ورائه مصالح شخصية زائلة، ولا ننتخب أصحاب الخطب الرنانة والشعارات الكاذبة، ولا ننتخب تعصبا لأحبائنا وجيراننا وأقاربنا وأبناء بلدتنا إن كانوا غير مؤهلين للموقع الذي ننتخبهم لأجله، فهذا تصويت قبلي ممجوج، يأثم من يدعو إليه ويأثم من يتبعه، لأننا حينئذ نجامل على حساب مصلحة الوطن والمواطنين، ونجعل المسئولية الوطنية في يد من لايصلح ومن لا يستحق، فتفسد حياتنا وتزداد ضنكا، ومن يفعل ذلك يضع نفسه في خانة شهود الزور، الذين لا يشهدون بالحق والقسط ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين.
الانتخابات أمانة وطنية ودينية، وشهادة واجبة لمصلحة الوطن والمواطن، علينا أن نؤديها على أكمل وجه، وتبدأ هذه الأمانة وتلك الشهادة من المرشح نفسه أولا، فلا يتقدم للترشح إلا من كان مؤهلا وكفؤا، لأن المواقع السياسية ليست وراثة، وليست مغنما، وإذا رأى المرشح أن منافسه هو الأكفأ والأحق منه فعليه أن يترك له موقعه، لكن لا بأس من المنافسة بين متساوين ومتكافئين، ففي المنافسة خير وبركة، بشرط أن تكون منافسة نظيفة، ليس فيها افتراءات وأكاذيب وشتائم، أو تلفيق اتهامات بالباطل، وعلى الناخب أن يميز بين المرشحين ليختار الأصلح والأكفأ، وأن يدرك أن صوته أمانة، واختياره شهادة أمام الله، ومسئولية واجبة لحق الوطن، وإرادته حرة، بمعنى أنه متحرر من غوايات الترغيب وعواقب الترهيب.
ويبقى على الأجهزة المشرفة على العملية الانتخابية أن تقوم بواجبها في توعية الناخبين بعظم الأمانة التي في أعناقهم، والشهادة التي هم مقدمون عليها خلف الستائر، وأن تحرس أصواتهم التي تمثل إرادة الشعب، ولا تسمح لأحد كائنا من كان أن يعبث بها أو يبدلها أو يشوهها، فهذه أيضا أمانة في رقابهم سيسألون عنها أمام الله وأمام التاريخ إن أحسنوا أداءها أو أهملوا فيها.
يقول الله تعالى: “…فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه، ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، والله بما تعملون عليم” البقرة 283.










