في المشهد الثقافي الجزائري، كثيرًا ما نصطدم بمفارقة غريبة: أشخاص يعتقدون أن الحديث عن المسرح، أو إصدار أحكام جاهزة حول الإخراج المسرحي، يكفي ليمنحهم صفة الخبير. والأغرب من ذلك، أنّ بعضهم يوزّع شهادات “الجهل” على غيره بجرأة تفوق كثيرًا حجم معرفته الحقيقية بهذا الفن العميق.
من بين هذه المواقف ما قيل لي مؤخرًا بأنني «لا أعرف الإخراج المسرحي». كان يمكن لهذه العبارة أن تمرّ مرور الكرام، لولا أنها كشفت حالةً ثقافية واسعة: الاستهانة بمهنة الإخراج المسرحي، وتجاهل ما تتطلبه من معرفة، تمرّس، تدريب، واشتغال منهجي طويل.
2- الإخراج المسرحي… علم وفن وليس رأيًا عابرًا
الإخراج المسرحي ليس نزهة ذهنية، ولا هو رأي يُلقى في جلسة نقاش عابرة. إنّه فن مركّب، يقوم على بناء رؤية، وإدارة ممثل، وتنسيق فضاء، وإيقاع، وصورة، وعلاقات، إلى جانب فهم دقيق لمدارس الإخراج من ستانيسلافسكي إلى غروتوفسكي، ومن بريخت إلى آرتو.
ولذلك، فإن من يختزل كل هذا الجهد في جملة سطحية من قبيل “أنت لا تعرف الإخراج” يعترف ضمنيًا باستقالته الفكرية من أبسط قواعد المعرفة.
3- بين النقد البنّاء والاتهام المجاني
النقد المسرحي الحقيقي يُمارَس بمراجع واضحة، ومفاهيم دقيقة، وتجارب مشاهدة وقراءة. أمّا الاتهام المجاني فهو مجرد صدى للفراغ، ومحاولة لتعويض النقص الداخلي برفع الصوت لا برفع القيمة.
لقد علّمنا المسرح أن نُصغي، وأن نختلف برقيّ، وأن نقول رأينا دون أن ننزع شرعية الآخر. أمّا تحويل السجال الثقافي إلى حلبة للتهجّم الشخصي، فهو دليل على غياب الحجة لا على ضعف الخصم.
4- التياترالي الحقيقي يُثبت نفسه بالعمل
أنا لا أردّ لأجل “الخصومة”، بل لأجل تأكيد حقيقة بسيطة:
في المسرح، لا أحد يثبت معرفته بالكلام… بل بالعمل، بالتجربة، وبما يقدّمه فوق الخشبة.
ومن يعرف تاريخ المسرح الجزائري، وتكويني الأكاديمي، ومساري داخل المعهد المركزي للتمثيل والرقص والموسيقى، يدرك أنّ الاشتغال على الإخراج ليس ادّعاءً، بل ممارسة يومية، دراسة، تطبيق، وبحث مستمر.
5_ الكلمة مسؤولية والمعرفة التزام
الإخراج المسرحي فضاء منضبط، لا تتحكم فيه الأهواء ولا الانطباعات السطحية. لذلك، فإن أي حديث عنه يحتاج إلى رصانة أكاديمية، وإلى حسّ ثقافي يليق بفن عاش قرونًا وظلّ يصنع الوعي والجدل والتنوير.
أمّا من يختار اختصار كل ذلك في جملة تهجّمية، فهو لا يسيء إليّ بقدر ما يقدّم شهادة دقيقة عن مستواه.










