في زمن صارت فيه “التريندات” أسرع من الحقيقة، تحوّل بعض البلوجرز من صانعي محتوى إلى صانعي وهم، ينسجون قصصاً كاذبة، ومواقف ملفّقة، ودراما مفتعلة؛ فقط من أجل المشاهدات، فأصبح الكذب وسيلة رزق، والتضليل تجارة، والسذاجة سوقاً مفتوحاً.
قصص اختطاف وهمية، خلافات عائلية مصطنعة، أمراض مفبركة، فقر مدّعى، ثم فجأة يتحوّل البطل إلى نجم إعلانات وسيارات فارهة وسفريات فاخرة… والمتابع المغلوب على أمره يصفق، ويتعاطف، ويشارك، وهو لا يعلم أنه مجرد رقم في سباق الأرباح.
حين يصبح الوهم مؤثراً
المؤلم ليس في وجود من يكذب، فالكذب قديم قِدم الإنسان، لكن الكارثة الحقيقية في انسياق الملايين خلف هذا الوهم، دون أدنى محاولة للتمحيص أو التفكير. أصبح البعض يصنع القيمة بالكاميرا لا بالأخلاق، وبالفضيحة لا بالموهبة، وبالضجيج لا بالفائدة.
وصار من لا يملك علماً، ولا فكراً، ولا رسالة، يتصدر المشهد، بينما يُهمَّش أصحاب الفكر الحقيقي، والعلم الجاد، والكلمة الصادقة. إنها مفارقة موجعة حين يُرفع التافه ويُداس على الجاد.
صناعة “نجومية” بلا مضمون
النجومية اليوم لا تحتاج اجتهاداً ولا موهبة، بل تحتاج “قصة مثيرة”، ولو كانت كاذبة. أزمة أخلاق تُباع، دموع مصطنعة تُسوّق، مشاجرة مفتعلة تحصد ملايين المشاهدات. وفي المقابل، محتوى يحترم العقل لا يجد ربع هذا الاهتمام.
وهنا يُطرح السؤال الأخطر: من المسؤول؟ هل هو البلوجر فقط؟ أم المتابع الذي يروّج ويدعم ويُكافئ الكذب بالمشاهدة؟ أم المنصات التي لا يهمها سوى الأرقام والأرباح؟
خطر اجتماعي لا يُستهان به
الكذب على مواقع التواصل لم يعد مجرد “تسلية”، بل أصبح خطراً مجتمعياً:
يقتل الثقة بين الناس.
يشوه القيم.
يروّج للنصب والاحتيال بشكل غير مباشر.
يغرس في عقول الشباب أن الطريق للشهرة هو الكذب لا العمل.
ويصنع قدوات زائفة لأجيال تبحث عن نموذج تحتذي به.
كيف نطلب من شاب أن يحترم العمل الشريف، وهو يرى الكاذب يُكافأ، والمحتال يُشهر به، وصاحب القيم يُهمّش؟
دعم المحتوى الهادف… ضرورة وطنية
نحن اليوم أمام معركة وعي حقيقية. معركة بين محتوى يرفع المجتمع، وآخر يجرّه إلى القاع. دعم المحتوى الهادف لم يعد رفاهية، بل واجب أخلاقي ووطني.
علينا أن:
نشجّع العلم، والثقافة، والقيم.
نُعلي من شأن الكلمة الصادقة.
نتوقف عن صناعة “نجوم من ورق”.
نحاسب بالكراهية الإيجابية: أن نتجاهل كل ما هو زائف ومفتعل.
فالمشاهدة موقف، والمشاركة قرار، وكل “لايك” هو تصويت لمن يستحق أن يكون مؤثراً في عقول أبنائنا.
لن يُصلح المجتمع من يبيع الوهم، ولا من يتاجر بالمآسي، ولا من يصنع الشهرة من الكذب. المجتمع ينهض فقط على أكتاف الصادقين، وأصحاب الرسالة، ومن يقدمون للناس علماً أو فكراً أو قدوة حقيقية.
فلنصنع نحن نجومنا، لا أن نترك الكذب يصنعهم لنا.










