عذرا! لأنني أتحدث بلا مواربة ولو كره المواربون لأن ما يجري اليوم في بعض أوساط المسرح العربي لا يمكن أن يعد “ابتكارا ” كما يرغب البعض بقدر ما هو تضخم لغوي يستند إلى سحر التشدق بالعناوين لا إلى صرامة المفاهيم.
ليس من الإبداع في شيء أن تصنع التسميات على مقياس المزاج والضجة الميديوية لا إلى معايير المسرح بوصفه فنا وخطابا جماليا ومعرفيا.
سمعنا التكرار والإصرار على تسمية (مسرح الشارع) وتغاضينا عن تقديم عروض تزعم انتماءها إليه دون تعريف له وبلا شروط فنية وعرضية ونظرية تؤسس له بوضوح وبدون أي حدّ أدنى من الاتفاق على طبيعة هذا الشكل وتاريخه ووظيفته.
واليوم يظهر علينا جديد آخر (مسرح الصحراء) ولا أستبعد أن نفاجأ يوم غد أو بعده بوجود (مسرح الماء و مسرح الوادي ومسرح الجبل) وكأن المسرح صار مرآة جغرافية لا بنية جمالية.
أتذكر عرضا مسرحيا خلاقا لفرقة (سيرك دو سوليه) قدم في الماء داخل مسرح كبير في أميركا يتسع لأكثر من ألفي مشاهد. عرض! يذهلك بجماله ومتعته وتجريبه وحداثته وإبداعه! ومع ذلك لم يزعم أصحابه أنه عرض لمسرح ( الماء) مثلا! ولو قدم بعض مسرحيينا عشر ما فيه هذا العرض من جمال وسحر لخرجوا علينا ربما بنظرية ( مسرح الغطس ) والله أعلم.
يا أخوان الخشبة وخلّان المسرح! هناك فرق فاضح بين القول (عرض في الصحراء ) والقول (مسرح الصحراء ). فالأول توصيف مكاني بسيط لا يورّث شرعية فنية ولا يؤسطر “من أسطورة” ولا يعبقر صناعه كما يرغب مدّعو الثاني الذين يقدمونه لنا في تظاهرة مهرجانية بوصفه ولادة لهوية مسرحية جديدة لم يأت بها الأولون.
من لا يرى الفرق هذا! فهو يخلط الوصف بالجوهر والدعاية بالتصنيف. هل يعقل أن كل عرض يقام في مكان ما ينبغي أن يتخذ اسم بيئته؟ ولماذا؟ إذا كانت الإجابة “نعم”! فدعونا نكمل المسرحية حتى نهايتها العبثية. ما دام الأمر كذلك!! فلنسم العروض بحسب الأرصفة والممرات والحدائق والمواقف. لكن هل هذا مسرح؟ أم فوضى أسماء؟
المسرح لا يعرّف بالمشهد الطبيعي وحده! بل ببنية الرؤية وبعلاقة الجمهور بالفعل وبنظام الأداء وبالدراماتورجيا و بالسينوغرافيا ومفهوم الفضاء بوصفه جزءا من إنتاج المعنى. لهذا لدينا عبر التاريخ تسميات راسخة مرتبطة بشكل المشاهدة ونظام الفضاء لا بمجرد المنظر. لماذا نتجاهل بعمد مسرح العلبة والمسرح الدائري وأنماط تاريخية متعددة تميزت بمعايير تلقي وزوايا مشاهدة ونظم حضور مختلفة.هذه تسميات جاءت من جوهر العلاقة المسرحية ولم تأت من لافتة سياحية.
أما أن نأخذ عرضا بميزانسين تقليدي ونصا لا يستدعي المكان وعلاقة متفرج لا تختلف عن القاعة ثم نضعه في الصحراء ونعلق عليه اسم ( مسرح الصحراء) فهذه ليست هوية حقيقية…بل غلاف لجواز سفر مزور سرعان ما ينكشف…ولن يعبر حدود الفن إلا بالتهريب.
المكان يصبح اسما مشروعا فقط حين يتحول من خلفية إلى مكون بنيوي وعندما تكون الصحراء أو الماء أو الشارع جزءا من لغة العرض! في إيقاعه وصوته واشتغاله على الفراغ وقسوة المناخ وتحول الجسد داخل هذا الشرط البيئي وفي إعادة تشكيل علاقة الجمهور بالفعل. حينها يتدخل النقد ليقول: نعم هنا تبلورت سمات وبدأنا نرى ملامح خطاب.
لكن قبل أن يحدث ذلك فنحن أمام تسويق يلبس عباءة التنظير. الخطر الحقيقي ليس في التجريب خارج القاعة ولكن في الادعاء بتصنيف أي انتقال مكاني كنوع مسرحي جديد يهلل له دون أصل تنظيري ثابت وتطبيق عملي راسخ يؤكده.
بلا زعل! مسرحنا العربي وقياسا بما يقدم في العالم اليوم…ما زال يحبو. نحن لم نبحر عميقا حتى داخل مسرح العلبة أو الدائري ( يا عمي) ومع ذلك نريد القفز من قاربيهما وهما ما يزالان راسيين عند شواطئنا المسرحية لنعلن فجأة اختراع مسارح جديدة لم تتجاوز في جوهرها ما تقدمه الأشكال التي لم نحسن استنفاد طاقاتها أساسا.
أتوسل إليكم لنغادر التسميات غير المنضبطة حتى لا يفقد المسرح لغته التصنيفية الرصينة ونصبح صناع زينة لفظية وباعة ألقاب.
دعونا لا نسمي الرمل أو الماء مسرحا ولا نحمل الريح ما لا تحتمل من ادعاءات! المسرح لا يولد من العنوان الرنان بل من العمل والإتقان! وإذا لم نصنع الفرق في المسارح المتعارف عليها في كل دول العالم فلن نصنعها في الصحراء ولا السهوب مهما حاولنا تزيين عجزنا المسرحي بأسماء الكثبان أو الضفاف.
والسلام على من أتبع المسرح الحقيقي بوصفه فعلا يثبت نفسه على الخشبة.











