الظاهرة القرانية في مصر ليست طارئة او مسالة حديثة بل هي قاعدة راسخة رسوخ الجبال منذ وطأت اقدام صحابة رسول الله الكرام ارض مصر وتعفرت بترابها الطاهر..هلت معهم وبهم انوار القران الكريم واستمرت في السطوع الباهر والمبهر مع مرور الأيام..
جاء الصحابة الكرام في ظلال القران واهل القران ومعهم مصحف عثمان رضي الله عنه ولا تزال نسخته المباركة تنير حجرة الاثار النبوية في مسجد مولانا الامام الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم..
ومع البصمة المصرية المتميزة الرائعة مع القران وأهله يقولون انه قوة مصر الناعمة وينسون انه القوة الحضارية الحقيقية التي لا تستطيع أي قوة مواجهتها او الصمود امام تاثيرها العظيم في مختلف مناحي الحياة ليس فقط الدينية بل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وصولا الى العلاقات الدولية والخارجية..
من يتامل الصورة الان ويتابع بعين قلبه وعقله ما يحدث من تفاعلات اثارها برنامج دولة التلاوة والتجليات التي تتلاحق معه سيعرف حقيقة القوة الروحية الهائلة الكامنة فيما تحدثه الايات الكريمة والتلاوات والأداء الحسن مماجعلها تلامس شغاف القلوب وتحرك العقول وهذا جانب واحد فقط من جوانب الاعجاز القراني والوحي الإلهي حين امر الجميع بالانصات للقران الكريم وتدبر اياته والحرص على العمل بها.. يقول تعالى :”واذا قرئ القران فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون”.
من جوانب العظمة أيضا فيما يحدث على الساحة المصرية تحديدا..ذلك التفاعل المتصاعد مع الاشعاع القراني المستمر والذي يؤكد تواصل الملايين داخل مصر وخارجها مع المبدعين من شباب دولة التلاوة وهو ما يعد ترجمة حقيقية واثباتا عمليا لا يدع مجالا لشك ان المدرسة المصرية قادرة على ان تجدد شبابها دائما تبدع وتضيف وترتقي الى افاق غاية في السمو والجلال بانوار القران الكريم.
تأمل القوة الحضارية الكامنة في القران الكريم وتواصل اشعاع الظاهرة القرانية وتمددها وانقشاع الغمة عن الجوانب المستترة في الحرب على الإسلام والمسلمين وسقوط الأقنعة الزائفة عن دعاوى الإرهاب والتطرف والالحاح على دعوات تجفيف المنابع وكان المقصود بها حقيقة ومباشرة الحيلولة بين الناس والقران الكريم..كل هذا مع النظر الى ما آل اليه حال الامة الإسلامية..كل ذلك يستدعي الى الاذهان المفكرالجزائري العبقري مالك بن نبي وكتابه الأشهر الذي يحمل العنوان المباشر “الظاهرة القرانية” كتبه بالفرنسية وترجمه الى العربية الدكتور عبد الصبور شاهين وقدمه له اثنان من علماء مصر الافذاذ..العلامة د.محمود شاكر والعالم الجليل د.محمد عبدالله دراز..
واذا كان الكتاب احيط بهالة نورانية من كبار علماء مصر قدمته الى العرب والعالم فانه يجدر الإشارة الى ان مالك بن نبي اقام في مصر سبع سنوات كاملة منذ العام 1952 وخصص له الزعيم الراحل جمال عبد الناصر راتبا شهريا يعينه على الإقامة والدرس وكان ملازما للعلامة محمود شاكر معظم الوقت في القاهرة نجح خلالها في ان يجيد تعلم العربية والتي تاثرت بفعل 30 عاما عاشها في باريس..عاد مالك إلى الجزائر عام 1963عقب نجاح الثورة ضد الاستعمار الفرنسي وفيها تقلد مناصب أكاديمية عدة منها منصب مستشار للتعليم العالي ثم مدير جامعة الجزائر ثم مدير التعليم العالي لكنه استقال عام 1967 مؤثرا التفرغ للعمل الفكري إلى أن وافاه الأجل يوم 31 أكتوبر 1973.
ما يحدث في مصر القرانية دفعني الى السؤال ماذا لو كان بن مالك حيا وهو يخط كتابه الظاهرة القرانية ويشاهد الان تلك النماذج القرانية البشرية التي نجحت في ان تكون قرانا يمشي على الأرض ويزين كل طبقات الفضاء الالكتروني في العالمين وهي تصدح باصوات ملائكية مؤكدة من جديد الاعجاز الالهي لحروف وايات القران الكريم الان وفي كل زمان؟!
يغيب عن الاذهان الا قليلا ان اهل القران هم الفيلق الأهم والأخطر في المعركة الحضارية الحقيقية..معركة الهوية لامة الإسلام وحضارته في مواجهة معركة اشد شراسة وخطورة مع الحضارية الغربية المتهاوية بعد قرون من السيطرة الظاهرة والحروب العلنية على مستويين لايقل احدهما خطورة عن الاخر: الجانب الحربي العسكري وقد ذاق العالم على صعيدها ويلات وويلات لا تزال الاصداء الخبيثة والمهلكة والموجعة شهدة ماثلة امام الاعين..ورغم ذلم لم يتحقق له ما أراد او كان يأمل ويتمنى..
الجانب الاخر وهو المعركة في ميدان الثقافة وهي الأخطر ضد الإسلام والمسلمين..
وهنا اقتبس من تلك المقدمة الرائعة للعلامة محمود شاكر التي كتبها للظاهرة القرانية:ولم يلبت العالم الإسلامي أن ألقى السلاح في ميدان الثقافة فقد بقيت المعارك فيه متتابعة جيلا بعد جيل بل عاما بعد عام بل يوما بعد يوم. وكانت هذه المعركة أخطر المعركتين وأبعدهما أثرا وأشدهما تقويضا للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي. وكان عدونا يعلم ما لا نعلم.كان يعلم أن هذه هي معركته الفاصلة بيننا وبينه، وكان يعلم من خباياها ما لن نعلم ويدرك من أسرارها ووسائلها ما لا ندرك. ويعرف من ميادينها ما لا نعرف ويصطنع لها من الأسلحة ما لا نصطنع، ويتحرى لها من الأسباب المفضية إلى هلاكنا ما لا نتحرى أو نلقي إليه بالا. وأعانه وأيده أن سقطت الدول الإسلامية جميعا هزيمة في ميدان الحرب. فسقطت في يده مقاليد أمورها في كل ميدان من ميادين الحياة وصار مهيمنا على سياستها واقتصادها وصحافتها أي سقطت في يده مقاليد التوجيه الكامل للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي.
يوضح العلامة محمود شاكر ان ميادين معركة الثقافة والعقل لا تعد وكذا الأساليب التي يتخذها العدو للقتال لأنها تتغير وتتبدل وتتجدد على اختلاف الميادين وتراحبها وكثرتها.وأسلحة القتال فيها أخفى الأسلحة لأن عقل المثقف يتكون يوما بعد يوم بل ساعة بعد ساعة وهو يتقبل بالتربية والتعليم والاجتماع أشياء يسلمها بالألف الطويل وبالعرض المتواصل وبالمكر الخفي وبالجدل المضلل وبالمراء المتلون وبالهوى المتغلب وبضروب مختلفة من الكيد الذي يعمل في تحطيم البناء القائم لكي يقيم العدو على أنقاضه بناء كالذي يريد ويرجو..
والحديث عن اهل القران والمعارك الحضارية موصول..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










