في فسيفساء الغابة الكبرى، حيث يتشابك الضوء بالظلال وتترقرق الجداول بين الحصى كاللحن العابر، كان الأسد يعتلي عرش المملكة، سيداً مهاباً لا يُشقّ له غبار. وإلى جواره كان الذئب ذو المخالب الرمادية، مُسنداً إليه الإشراف على شؤون الحيوانات، غير أنّ سريرته لم تكن نقية كهيئته.
في ضفة البحيرة الهادئة، عاشت البجعة البيضاء، كائناً رقراقاً، يشبه صفحة ماء صافية لا تُكَدِّرها إلا الريح. كانت مثالاً للسلام والصدق، تؤدي ما عليها في صمت يليق بالنقاء.
لكن الذئب، وقد ران على قلبه طمعٌ لا يشبع، راح يجمع من الحيوانات أقراص العسل، وحزم الأعشاب، وثمر التوت، متذرعاً بشعارات نبيلة لا يسندها صدق ولا يقوم عليها دليل. فتارةً يدعي أنها لحاجيات المُلْك، وتارةً يتعلل بمساعدة محتاج مجهول الاسم والملامح.
وذات صباح، مرّت البجعة قرب مرتقى صخري اتخذه الذئب مقاماً له، فاسترعى انتباهها حضوره مع دبٍّ جبليٍّ ضخم، معروف في الغابة بمعاملاته في العسل وفواكه الجبال. وما إن رآها الذئب حتى أطلق كلماته كالسهم:
“هذه هي التي حدثتُك عنها.”
اهتزّ قلب البجعة دهشة؛ فهي لا تعرف الدب، ولا سمعت عن دين، ولم يخطر ببالها قط أن يُقحم الذئب اسمها في رواية لا شأن لها بها. خاصةً وأنه كان قد طلب منها، قبل ذلك بيوم واحد، كمية وافرة من العسل دون توضيح.
لكن الريح حملت ما هو أعجب…
ففي مساء لاحق، عاد الدبّ إلى مجتمع الحيوانات، وصوته يتردد بين الأشجار:
“أخبرني الذئب أنكِ تدينين لي بعشرة أقراص من عسل الجبل، وأنه متى ما استرجعتها منه سيوفي هو دينه!”
خفق جناحا البجعة غضباً وذهولاً.
أيّ جور هذا؟
وكيف غدا اسمها ستاراً يُخفي خلفه الذئب ديونه ومكره؟
ترددت الهمسات بين الأشجار، العصافير تُحلّق قلقاً، والأرانب تلوذ بجحورها، والسلحفاة العتيقة تروي قصصاً عن ماضٍ بعيد لم يسلم الذئب فيه من قضايا مشابهة.
عندها رفعت البجعة رأسها، وتوجّهت بخطى ثابتة إلى عرين الأسد، لا تحمل إلا الحقيقة سلاحاً.
وقفت أمام الملك، وحدّثته بصوت يليق بمخلوق نقيّ: سردت ما يقوم به الذئب من جمع خيرات الحيوانات بغير وجه حق، ومن زجّ اسمها في ديون لم تعرفها، ومن تلويث سمعتها في معاملات مشبوهة.
أصغى الأسد، وعيناه تشعّان بصلابة الحق، ثم قال بصوته المجلجل الذي يهوي كالرعد:
“ما دام في الغابة مظلوم ينطق، فلن يهنأ ظالم بليلٍ أو نهار… سيُفتح التحقيق، وستُعرّى الحقائق.”
أمر النسور بالتحليق في سماء المراقبة، والبوم بجمع الخيوط الخفية، والثعالب بتتبع الشهادات، حتى تستقيم الموازين وتعود الطمأنينة إلى قلوب المخلوقات.
وهنالك، شعرت البجعة بأن الريح أخيراً تهبّ لصالح الحق، وأن صوتها لم يُدفن في ظلال الغابة، بل ارتفع عالياً كالبياض الذي تحمله أجنحتها.
وهكذا أدركت الحيوانات أن الظلم وإن تمدد، فإن عدل الملك لا يترك له مقعداً ولا مأوى.










