كنت في السابعة من عمري، لكن الخوف كان في الأربعين. يسبقني إلى الزوايا، يجلس على الكراسي قبلي، وينام في سريري دون إذن. المنزل لم يكن منزلا، كان فكرة عن منزل، فكرة رديئة الصنع، جدرانه متآكلة، وسقفه منخفض كأنه يخجل منّا. كل شيء فيه كان يشي بأننا فقراء، حتى الهواء كان يدخل متردّدًا، وكأنه لا يريد أن يُحسب علينا.
في ذلك المنزل، لم يكن اللعب خارج الجدران فعلَ طفولة، بل جريمة أخلاقية. الضحك كان سلوكا مريبا. الجري إعلان تمرّد. والعودة بجرح صغير تعني محكمة أسرية غير مكتملة النصاب لكنها كاملة العقوبة. قانون الأسرة لم يُكتب بالحبر، بل بالخوف. كلمتان فقط، لكنهما كانتا كافيتين لتشويه خريطتي الداخلية: “لا تخرج … لا تتعارك”.
كنت أفهم “لا تخرج” باعتبارها: لا تكن موجودًا. وأفهم “لا تتعارك” باعتبارها: لا تدافع عن نفسك. هكذا، ومنذ السابعة، بدأتُ أتمرّن على الانسحاب من الحياة دون أن أغادر مكاني. لم أكن طفلًا، كنت مشروع رجل خائف. كنت أطل من النافذة كما يطلّ ميتٌ مؤجَّل من نعشه. الأطفال في الخارج كانوا أحياء أكثر مما يجب، يصرخون، يسقطون، ينهضون، يجرّبون أجسادهم كما تُجرَّب الألعاب الجديدة. أما أنا، فكنت أجرّب الصمت وأفشل فيه.
المنزل الأسري كان خاليا من التلفاز، لكنه ممتلئ بالهواجس. خاليا من الكتب، لكنه مشبع بالأساطير الرخيصة. الجدران المتشققة لم تكن تتآكل، بل تتنصّت. كنت أشعر أن البيت يسمعني حين أفكر بالهروب. أختي الكبرى لم تكن شريرة، كانت فقط مؤمنة بالنظام. كل نظام يحتاج إلى فزاعة، وكل طفولة محاصَرة تحتاج إلى شبح. قالت لي: “إلى خرجتي … بوغطاط غادي ياكلك”. قالتها ببساطة قاتلة، كما يُقال خبر في نشرة الطقس العالمية.
بوغطاط لم يكن له شكل واضح، كان شكلًا جاهزا لأي كابوس. أحيانًا كان طويلًا، أحيانًا بلا رأس، أحيانًا له أسنان أكثر مما ينبغي، لكن دائمًا … دائمًا … كان يعرف اسمي. إلى جانبه كانت هناك عائشة البحرية، امرأة تخرج من الماء لتسرق الأطفال، وميمون، الذي يسكن الزوايا ولا يحب الضوء، والباشا حمو، شبح السلطة حين تلبس الجلابية. كانت طفولتي متحفًا للأشباح. كل ركن يحمل تهديدًا. كل ظلام وعدًا بالعقاب. وكما قال الكاتب الأمريكي إدغار آلان بو: “كل ما نراه أو نبدو عليه ليس إلا حلمًا داخل حلم”. كنت أحلم بالخوف، وأستيقظ داخله.
فانكمشت. صرت أقل من جسدي. أصغر من ظلي. أمشي بمحاذاة الجدران كما تمشي الحشرات حين تشعر بالضوء. كنت أخاف حتى من أفكاري، لأنها قد تقودني إلى الباب … والباب يقود إلى بوغطاط. لكن الكذبة، مهما طالت، تشيخ. كبرت قليلًا. لم أكبر دفعة واحدة،
كبرت بالخسارات، بالصفعات، بالخيانة الأولى. خرجت إلى العالم، فاكتشفت المفارقة القاتلة: الأشباح لا تأكل الأطفال. البشر يفعلون. “اكتشفت أن بوغطاط كان مجرد تدريب نفسي مبكر على قبول القهر. وأن الخوف لم يكن لحمايتي، بل لترتيبي، لجعلني صالحًا للانضباط، مطيعًا، قابلاً للكسر دون صوت. وكما قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: “من حارب الوحوش، عليه أن ينتبه ألا يتحول هو نفسه إلى وحش”.
لكنني لم أتحول إلى وحش… تحولت إلى شخص يعرف أن الخوف يُورَّث، وأن الطفولة يمكن أن تُشوَّه بنية حسنة. اليوم، حين أضحك على بوغطاط، أدرك أنني لم أقتله، بل تجاوزته. والأشباح الحقيقية؟ ما زالت تمشي بيننا، تلبس وجوها بشرية، وتطلب ثقتنا قبل أن تطعننا. أما بوغطاط … فقد بقي هناك، في زاوية طفولتي، نحيفًا، مهزومًا، يخاف مني الآن أكثر مما كنت أخاف منه.










