لا أعتقد أن الفيسبوك قادرٌ على أن يتحوّل إلى طاولةٍ حقيقية للنقاش النقدي المسرحي بالمعنى العلمي والأكاديمي الرصين فالنقد بوصفه معرفةً منهجية لا يُبنى على الانطباع السريع ولا على ردود الفعل الآنية انه يحتاج إلى أرضية معرفية مشتركة وأدوات تحليل وسياقٍ يسمح بتراكم الحجة وتبادلها بهدوء.
فعندما يحرص بعض الزملاء على نشر اراء نقدية مختصرة وسريعة عبر نافذة الفيس بوك ويطلقونها للنقاش وينتظرون ردود الفعل والتفاعل معها فأنهم بذلك يلغون الحدود بين الرأي المتخصّص والرأي العابر ويتساوى الصوت الخبير بالصوت الذي لم يتسلّح يومًا بأبجديات النقد فتتحوّل المسألة من حوار معرفي إلى ضجيج غير منتح حيث الكثرة لا تُنتج معنى والانتشار لا يمنح الشرعية… هنا لا تُقاس الأفكار بعمقها أو بمرجعياتها انها تقاس بعدد الإعجابات وسرعة التفاعل وكأن القيمة المعرفية تخضع لتفاعلات لا تعترف إلّا بالآني والسريع…
ثم إن الفيسبوك بطبيعته التقنية صفحة صمّاء لا يحتمل النقاش الطويل ولا يصبر على التفكيك النظري ولا يسمح بتطوّر الفكرة عبر جدلٍ متدرّج هو وسيطٌ صُمّم للاستهلاك لا للتأمّل وللتداول لا للتأسيس. لذلك فإن أي محاولة لتحويله إلى منبرٍ نقدي أكاديمي تبقى استثناءً هشًّا لا قاعدة يمكن الركون إليها.
فالنقد المسرحي في جوهره فعلُ مسؤولية معرفية لا يكتمل إلا داخل فضاء يحترم التخصّص ويؤمن بالاختلاف المنهجي ويمنح الفكرة زمنها الطبيعي للنمو وما لم تتوفّر هذه الشروط سيظل الفيسبوك مساحةً للقول أكثر منه فضاءً للفهم ومنبرًا للصوت لا مختبرًا للفكر.










