تتسبب الحرب في انهيار البنية العميقة لإنسان، وانقطاع في استمرارية القيم التي تنظم العيش المشترك. فقد حذّر كانط من أن الحرب تدمر الغاية الأخلاقية للعقل وتحول الإنسان إلى وسيلة داخل آلة قتل. كما ترى حنّة آرندت أن خطورة الحرب الحديثة تكمن في أن الصراع المسلح ينفصل عن غايته السياسية، ويتحول إلى ممارسة قائمة بذاتها، تُدار بقوة السلاح، وتستمر دون أفق واضح لما بعدها، تفقد الحرب طابعها الأداتي، وتغيب الغاية السياسية، ويتحول الفعل المسلح إلى تدمير متواصل يفرغ السياسة من معناها ويترك المجتمعات عالقة داخل دائرة مفتوحة من الخراب يلتهم الإنسان والمكان والزمن. علم النفس، منذ فرويد، كشف أن الحرب لا تقتصر على تحريك غرائز العدوان، بل تترك آثارًا طويلة الأمد في البنية النفسية، حيث يصبح الخوف المزمن، وتطبيع الموت، واضطراب التماسك الداخلي سمات جمعية تعيد إنتاج العنف داخل الحياة اليومية لضحايا الحروب من كل الفرق.
فهل هناك أمل داخل هذا الأفق الخانق؟ أقصد الأمل بوصفه آلية للاستمرار تحت وطأة كل هذا التدمير. إرنست بلوخ قدّم الأمل باعتباره توترًا مستمرًا بين الواقع القائم وإمكان تجاوزه، قوة كامنة في الوعي الجمعي تحافظ على قدرة الإنسان على الاستمرار حين تتآكل الشروط الموضوعية للتغيير. في سياقات الحرب، يتخذ الأمل شكل استجابة دفاعية ضد الاستسلام للموت، ضد التفكك النفسي والاجتماعي..أداة تنظم الألم داخل سرديات قابلة للاحتمال الحياة.
عندما أرى ما حدث للناس في غزة والسودان أشعر بالهلع، كيف يمكن أن يبرز الأمل وسط هذا الخراب؟ كيف يستمر الناس، وكيف تصمد أجسادهم ونفوسهم أمام هذا القدر من العنف والفقد؟ من منظور علم نفس الصدمة، عندما يعيش الفرد تحت تهديد دائم يمنعه من رسم تصور مستقر للمستقبل، يرتكز الأمل على الحاضر القريب، في أفعال صغيرة تحفظ الحد الأدنى من التماسك النفسي.
هذه الاستجابة هي ما يدير حياة هذه الجماعات بالرغم من الذاكرة الجمعية للمعاناة المستمرة، وأيضًا في هذه الأوقات يوفر الدين إطارًا رمزيًا يجعل العقل قادرًا على استيعاب هذه التجربة. فالأمل في التدخل الإلهي يعمل كدرع وقائي يحمي الجماعة من الانهيار الكامل، ويحافظ على استمرارهم تحت وطأة العنف والإبادة. هذا النمط من التكيف يخفف التوتر مؤقتًا، ويعيد في الوقت ذاته إنتاج شروط الصدمة. كذلك الأمل المرتبط بالمقاومة الرمزية والمادية، والحفاظ على الكرامة، يظل عنصرًا حاسمًا في منع الانهيار الكامل للذات الفردية والجماعية.










