لم تعد صناديق الاقتراع في العالم العربي مجرد آلية إجرائية تستدعى في مواعيد محددة بل تحولت في كثير من المحطات إلى رسالة سياسية صريحة أبلغ من الخطب وأقسى من البيانات. رسالة تقول إن الشارع يتكلم حتى وإن صمتت الأحزاب أو فقدت قدرتها على التعبير عنه. فبين عزوف لافت أو تصويت عقابي أو مفاجآت انتخابية غير متوقعة يفرض سؤال نفسه بإلحاح: ماذا يريد الشارع العربي؟ ولماذا يبدو صوته أعلى من خطاب القوى السياسية المنظمة؟
اللافت أن المزاج العام لم يعد يُدار من فوق ولا يتشكل فقط عبر الأيديولوجيات التقليدية. المواطن العربي اليوم أكثر براغماتية أقل حماسًا للشعارات وأكثر حساسية تجاه معيشته اليومية. لم تعد الكلمات الكبيرة كافية لتحريك الصناديق ولا التاريخ النضالي وحده يضمن الثقة. ما يحكم الاختيار – حين يحدث – هو الإحساس بالجدوى وبأن الصوت لن يضيع في فراغ سياسي مألوف.
في المقابل تبدو الأحزاب في كثير من الدول العربية وكأنها تعيش خارج الزمن. خطاب جامد، أدوات قديمة، وصراع داخلي يسبق الصراع على الشارع. الأحزاب تتحدث كثيرا عن الناس لكنها نادرا ما تتحدث مع الناس. وحين تحين لحظة الاختبار تكتشف أن قواعدها أضعف مما تتخيل وأن المسافة بينها وبين الشارع اتسعت إلى حد القطيعة.
الصمت الحزبي لا يعني الغياب الكامل بل فقدان التأثير. حضور شكلي في المشهد بلا قدرة حقيقية على التعبئة أو الإقناع. والنتيجة أن الصناديق تتحول إلى مساحة تعبير بديلة لا تصوت بالضرورة لمن بل أحيانا ضد الجميع. ضد الوعود المؤجلة وضد البرامج غير المقروءة وضد الإحساس المزمن بأن السياسة تدور في حلقة مغلقة.
العزوف الانتخابي في هذا السياق لا يمكن اختزاله في اللامبالاة. هو في كثير من الأحيان موقف سياسي صامت احتجاج هادئ على مشهد لم يعد يعكس طموحات الناس. الامتناع عن التصويت يصبح لغة والصندوق الفارغ رسالة تقول إن الثقة مفقودة وإن العلاقة بين الشارع والتنظيمات السياسية تحتاج إلى إعادة بناء من الأساس.
الشارع العربي اليوم أكثر وعيا بتعقيداته وأكثر تشككًا في الحلول السهلة. لم يعد ينتظر المخلص ولا يراهن على الخطاب العاطفي وحده. يبحث عن سياسات تمس حياته: فرص عمل حقيقية خدمات مستقرة عدالة في توزيع الأعباء وشعور بالكرامة. وحين لا يجد هذه المطالب ممثلة بوضوح يعبر بطريقته ولو بالصمت.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا مزدوجا في هذا التحول. منحت الشارع مساحة للتعبير لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة الخطاب الحزبي وعجزه عن مواكبة إيقاع الناس. الفجوة بين ما يقال على المنصات وما يطرح في البرامج السياسية أصبحت فجوة ثقة لا تردم بالشعارات ولا بالمواسم الانتخابية.
الرسالة التي تبعث بها الصناديق واضحة: السياسة لم تعد ملكا للنخب وحدها والشارع لم يعد تابعا صامتا. لكن الخطورة تكمن في أن استمرار هذا الانفصال قد يدفع إلى مزيد من العزوف أو إلى أشكال تعبير غير منظمة تربك المشهد بدل أن تُصلحه.
إعادة الاعتبار للعمل الحزبي تبدأ من الاعتراف بالخلل. من مراجعة اللغة وتجديد القيادات والاقتراب الحقيقي من هموم الناس لا بوصفهم أصواتا محتملة بل شركاء في الفعل العام. فحين تتكلم الصناديق فهي لا تبحث عن منتصر انتخابي بقدر ما تطالب بسياسة تُشبه الناس.
وفي عالم عربي تتغير معادلاته بسرعة يبقى الرهان الحقيقي على من يستطيع أن يسمع هذا الصوت قبل أن يتحول الصمت إلى قاعدة والحديث إلى استثناء.










