تغييب الوعي لا يحدث فجأة، ولا يُمارَس بالقوة المباشرة كما يُخيَّل للبعض، بل يتم بهدوء، وبأدوات تبدو في ظاهرها بريئة، وعلى رأسها الإعلام حين يتحول من سلطة تنوير إلى صفحات صفراء .
الصفحات الصفراء، في معناها الأصلي، كانت دقيقة، مرتّبة، واضحة. لكنها كانت تقدّم العنوان دون القصة، والاسم دون التجربة، والمكان دون الطريق.
الإعلام الذي يعمل بعقلية الصفحات الصفراء لا يصنع وعيًا، بل يفهرس الواقع. يقدّم الأحداث مجتزّأة، معزولة عن سياقها التاريخي والسياسي، وكأن كل أزمة وُلدت في لحظتها، وكل صراع بلا جذور، وكل كارثة حدث مفاجئ. المتلقي هنا لا يُمنع من المعرفة، بل يُغرق فيها دون أدوات تحليل، فيتحول من إنسان واعٍ إلى مستهلك أخبار.
تغييب الوعي في هذا السياق لا يعني إفراغ العقل، بل ملأه بما يكفي ليبقى مشغولًا لا فاعلًا. يُسمح للمتلقي أن يعرف “ماذا حدث”، لكن يُحرم من فهم “لماذا حدث” و“من المستفيد”. تُضخ المعلومات بجرعات مدروسة: ما يُقال أهم مما يُخفى، وما يُكرَّر يصبح بديهيًا، حتى لو كان هشًا أو زائفًا.
الإعلام المؤدلج لا يشرح الواقع، بل ينظّمه وفق مصلحة ما. كما كانت الصفحات الصفراء تقول ضمنًا: من ليس هنا، غير موجود، يقول الإعلام المُؤدلج: من لا يظهر عبر قنواتي، لا قيمة لرأيه. هكذا يتم إقصاء الأصوات الحرة، وتجريم الأسئلة، وتحويل الشك إلى خيانة، والتفكير إلى خطر كبير.
الأخطر من ذلك أن هذا الإعلام يقتل الزمن النقدي. لا ذاكرة تُبنى، ولا تراكم معرفي يحدث. كل يوم يبدأ من الصفر، وكل صدمة تُقدَّم كأنها الأولى، فيبقى المجتمع في حالة ذهول دائم، يرى كثيرًا، يغضب كثيرًا، يتكلم كثيرً، ويفهم أقل.
في هذه المنظومة، لا يُراد للمتلقي أن يكون شريكًا في القرار، بل إنسانًا وظيفيًا: يستهلك الخطاب، يردد الشعارات، يعرف أين يقف، لكنه لا يسأل لماذا يقف هناك. إنه حاضر جسديًا، غائب ذهنيًا، مطّلع ظاهريًا، معطّل تحليليًا.
وهنا تكتمل الدائرة:
إعلام صاخب، معلومات وفيرة، وعي مُدار.
الصفحات الصفراء ليست خطيرة لأنها قديمة، بل لأنها جامدة. وكذلك الإعلام الذي يرفض التحديث النقدي، ويخشى السؤال، ويتمسك بدور “الدليل” لا “الطريق”. فالسلطات لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تصبح خارج الاستخدام في زمن جديد.
تحررنا الحقيقي يبدأ حين نرفض الاكتفاء بالعناوين، ونطالب بالقصة كاملة، حين نرفض الفهرسة، ونبحث عن المعنى، حين نرفض أن نكون أسماء في دليل، ونصرّ على أن نكون امةً تقود ولا تُقاد .










