الطفولة بين الظلم والأمل … البداية الملحمية للوعي بالقانون:
كنتُ طفلا صغيرا في سبعينيات القرن الماضي، أسير في الأزقة الضيقة حيث تتكدّس الفاقة، وتنبت القسوة كما ينبت الشوك في أرض يابسة أنهكها الجفاف. كنت أرى الظلم يطلّ برأسه في كل زاوية، يسرق الحقوق، ويزرع الخوف في القلوب، ويترك بصمته السوداء على أرواح الناس. وفي تلك الأزقة، تعلّمت مبكرًا أن العدالة ليست مجرد كلمة تُقال في الكتب، بل صرخة صامتة تحتاج إلى من يسمعها، ويد تحميها، وضمير يساندها.
كان كل قرار صغير داخل أسرتي، وكل موقف من معلميّ في المدرسة، وكل نظرة حازمة لرجل أمن أو لقاضٍ في المحكمة، درسا حيا في القانون، وتلقينا عمليا لقيم الحق والواجب. أدركتُ أن العدالة تبدأ من أبسط أفعالنا اليومية: في كفالة حقّ الضعيف، وفي رفض الظلم مهما بدا صغيرا، وفي احترام القوانين التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه.
ومن رحم تلك الطفولة، تشكّلت لديّ قناعة راسخة بأن القانون هو النور الذي يضيء طريق الأجيال القادمة، وأن هيبة القاضي ليست مظهرا شكليا، بل قوة حقيقية تحمي المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى. ومن هنا بدأت الرحلة؛ رحلة استشراف المستقبل، حيث يمتزج الماضي بالوعي اليومي، ويغدو احترام القانون جزءًا من ثقافتنا العامة، وواجبًا أخلاقيا على كل مواطن، وإرثًا يُسلَّم للأجيال القادمة.
من يلبس زيّ الشرطة، يختار الوقوف مع العدالة وضدّ الفوضى:
عندما كبرتُ وصرت شابا يافعا، وجدتُ نفسي أمام اختيار لم يكن هيّنا: أن أرتدي زيّ الشرطة، وأن أختار الوقوف في صفّ العدالة، وأن أكون درع القانون وسيفه في مواجهة الفوضى والظلم. لم يكن الدافع بحثًا عن سلطة أو نفوذ، بل حبًا للحق، ورغبة صادقة في حماية المواطنين وضمان سلامتهم وممتلكاتهم. كان كل يوم في هذه المهنة فرصة لأثبت أن الشاب الذي يختار الشرطة، يختار خدمة الناس قبل نفسه، ويغدو قلبًا نابضًا بالأمان داخل المجتمع.
منذ سنة 1990، ارتديت هذا الزي بوفاء وإخلاص، وعملتُ من أجل غاية سامية، مؤمنا بأن الشرطة رسالة حياة لا مجرد وظيفة؛ رسالة لحماية الناس وصون الأمن العام، ولأكون العين الساهرة واليد الحامية للوطن. وكنتُ أستشعر، يوما بعد يوم، أن الشرطة ليست مهنة فحسب، بل نمط حياة ومسؤولية جسيمة، وأن من يختارها يختار أن يكون صوت القانون، وحامي العدالة، وضمير المجتمع في مواجهة الظلم.
ثم جاءت سنة 2017، وكان القدر قاسيًا: حادثة شغل مقرونة بحادثة سير خلّفت لديّ عاهة مستديمة في الفخذ الأيسر، فتوقّف واجبي المهني، لكن واجبي الوطني لم يتوقّف يوما. ظلّ شعاري راسخًا في القلب: “شرطي من يوم العمل إلى يوم الأجل”. فالشجاعة في هذه المهنة لا تُقاس بحمل السلاح أو مواجهة الخطر، بل بحماية الأبرياء، وصون سلامة المجتمع، والوقوف الدائم إلى جانب القانون مهما كانت الظروف.
أدركتُ أكثر من أي وقت مضى أن كل زيّ شرطي يحمل مسؤولية كبرى: أن يكون شعلة أمان لكل مواطن، وأن يُكتب كل يوم في سجلّ الأمانة والشرف والواجب، وأن يكون الشرطي جسرا بين القانون والمواطن، وبين الحقّ والسلامة. ومن يختار هذا الطريق، يختار أن يكون سندا للضعفاء، وحارسا للأمن، وصوتا للعدالة، لا لذاتٍ أو سلطة، بل من أجل أن يظلّ الوطن بيتا آمنا لجميع أبنائه.
عبد الصادق فضيلات… رمز الضمير المهني والعدالة:
في عالم اليوم، يقف السيد المحترم عبد الصادق فضيلات، نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، شامخا رمزا للعدالة النقية، ونموذجا حيا يجمع بين الصرامة القانونية والانضباط، والانفتاح على إنسانية متبصّرة. كل قرار يتّخذه، وكل تحقيق يشرف عليه، شهادة حيّة على أن العدالة لا تزال نابضة، وأن القانون ليس مجرد نصّ جامد، بل روح مجتمع، ومصباح أمل لكل مظلوم.
في شخصه تتجسّد حقيقة أن صمت المحكمة أبلغ من ألف صرخة، وأن وقار القاضي أقوى من أي شعار مكتوب. فالقوة هنا لا تُستمدّ من الصخب أو الهيبة الشكلية، بل من الانضباط، ونقاء الضمير، والقدرة على المزاوجة بين الحزم والتعاطف، والانتصار للحق دون تردّد أو مساومة.
القضاة ووكلاء الملك ونوابهم… صمّام الأمان المنيع:
ولا يقتصر الحديث على اسم بعينه، فكل السادة والسيدات القضاة، ووكلاء الملك ونوابهم، في المغرب وخارجه، يشكّلون الدرع الأخير للحق والعدل. في عالم يضجّ بالضغوط السياسية، ومحاولات التشويه، واتساع دوائر الفوضى، يثبت القضاة يوميا أن العدالة ليست شعارا يُعلّق على الجدران، بل فعلًا مستمرا، وأن هيبة القاضي ليست امتيازًا شخصيا، بل حقًّا أصيلًا للمجتمع بأسره. كل جلسة، وكل حكم، وكل تحقيق، هو دفاع مباشر عن حقوق الإنسان، وصمام أمان منيع في وجه الانهيار القيمي والمؤسساتي.
الثقة … ركيزة الدولة ومستقبل الأمة:
أخطر ما في الإساءة إلى القضاء أنها تهدّد الثقة، وهذه الثقة هي الأسمنت الذي يشدّ جدران الدولة. فإذا تصدّعت، اختلّ ميزان الأمة بأكمله. فلا عدالة بلا قضاء محترم، ولا قضاء محترم بلا وعي مواطنين يدركون أن حرية التعبير تنتهي حيث تبدأ كرامة العدالة. إذ أن النقد حقٌّ مشروع وضرورة ديمقراطية، لكنه يفقد شرعيته حين يتحوّل إلى إهانة أو تشويه. فالقضاة، عبر العالم، هم حماة التوازن المجتمعي، والضامنون لأن يبقى القانون حيًا وفاعلًا.
هيبة القاضي …آخر خطّ دفاع للمجتمع:
هيبة القاضي ليست امتيازا شخصيا، بل ضرورة أخلاقية وقانونية، وجزء لا يتجزأ من هيبة الدستور وكرامة الدولة وطمأنينة المجتمع. من يحترم القضاء يحمي مستقبله، ومن يستهين به يفتح باب ظلم لن يُغلق بسهولة. هيبة القاضي إذن ليست مسألة شكلية، بل قضية وجودية للأمم. فكل جلسة محكمة، وكل حكم، وكل تحقيق، يبعث برسالة واضحة: العدالة ليست خيارا، بل شرطا أساسيا لاستمرار الحياة المشتركة.
صوت الحق … الدفاع عن القضاء:
في قلب الدفاع عن العدالة يبرز المحامي الشريف، الذي يرفع راية الحق بلا تردد، كما فعل الأستاذ المحامي رشيد آيت بلعربي، مؤكدا أن الدفاع عن القضاء ليس دفاعًا عن أشخاص، بل عن وطن قائم على ميزان العدل، كما قال الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا: “عدالة حقيقية لن تتحقق إلا إذا كان القانون يحمي كل إنسان بغض النظر عن مكانه أو قوته”. هذا هو المستقبل الذي يبنيه القضاة اليوم، رسالة لكل المجتمعات: العدالة ليست رفاهية، بل ضرورة، وأي تهديد لها هو تهديد للمجتمع نفسه.
الإعلام والمجتمع المدني … شعلة الوعي وحارس العدالة:
لا يمكن استشراف مستقبل القضاء دون وعيٍ بدور الإعلام وفعاليات المجتمع المدني في ترسيخ احترام القانون، وصيانة هيبة القضاة ووكلاء الملك ونوابهم. فالإعلام الحر والمسؤول هو المرآة التي تنير الرأي العام، وتكشف الحقيقة، وتفنّد الأباطيل، فيما تضطلع الجمعيات الحقوقية والمنظمات المدنية بدور أساسي في نشر ثقافة القانون وحقوق الإنسان، وتعزيز قيم المواطنة والمسؤولية. فالإعلام والمجتمع المدني هما العين الساهرة واليد الحامية، يراقبان ويقوّمان ويوجّهان، ويصنعان وعيًا جماعيًا يجعل احترام القانون جزءًا من الوجدان الوطني.
استشراف المستقبل:
هيبة القاضي اليوم ليست لحظة عابرة، بل مسارًا متواصلًا من القرارات الحكيمة، والمواقف الشجاعة، والصمت المهيب الذي يصنع ثقة الغد. القضاة، عبر العالم، يصونون الحقوق، ويحصّنون القانون، ويحفظون كرامة الإنسان، ليتركوا للأجيال القادمة مجتمعًا يحكمه العدل لا الفوضى، ويقوده القانون لا الغرائز.
ومع إعلام واع، ومجتمع مدني نشيط، سيكون الغد أكثر إشراقا: أجيال تعرف حقوقها وواجباتها، وتؤمن بأن حماية العدالة مسؤوليتها، وأن هيبة القاضي خطّ أحمر؛ لأنها آخر الخطوط، إذا سقطت سقط بعدها كل شيء، وإذا صينت، صان معها المجتمع ومستقبل الأمم.
رفع القلم … وجفت الصحف.










