لم تعد تكنولوجيا الروبوتات حقلًا تقنيًا محضًا، يُختزل في أبعاده الهندسية والوظيفية، بل غدت مجالًا مركزيًا للتأمل الفلسفي العميق، لما تثيره من إشكاليات ثقافية وأخلاقية ومعرفية تمس جوهر الوجود الإنساني، وتعيد مساءلة أنماط العيش المعاصر وحدود الفعل والمسؤولية والمعنى. وفي السياقين المصري والعربي، حيث تتقاطع رهانات التحديث التكنولوجي مع أسئلة الهوية والتنمية والعدالة والمسؤولية الأخلاقية، تتجلى الحاجة الملحّة إلى مقاربات فلسفية نقدية قادرة على تفكيك هذه التحولات، واستجلاء آثارها العميقة في الإنسان والمجتمع ومستقبل المعرفة.
وانطلاقًا من هذا الوعي، تتأكد أهمية الانخراط الأكاديمي المنهجي في فلسفة تكنولوجيا الروبوتات بوصفها أحد الحقول المركزية في الفلسفة المعاصرة، لا سيما في ظل التقدم غير المسبوق لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية. وفي هذا الإطار العلمي والفكري، نوقشت رسالة الدكتوراه المقدّمة من الباحثة الدكتورة أسماء عبد الحفيظ خميس نوير، بكلية الآداب جامعة أسيوط، قسم الفلسفة، في سياق اهتمام القسم بالدراسات الفلسفية المعاصرة، ومواكبته النقدية للقضايا الفكرية المتصلة بالتطورات العلمية والتكنولوجية الراهنة.
وجاءت الرسالة بعنوان
فلسفة تكنولوجيا الروبوتات عند مارك كوكلبيرج
Mark Coeckelbergh’s Philosophy of Robotics Technology
وقد انصبت الدراسة على تحليل فلسفة تكنولوجيا الروبوتات لدى الفيلسوف المعاصر مارك كوكلبيرج، من خلال مقاربة تحليلية نقدية دقيقة لأعماله، ركّزت على الإشكاليات الأخلاقية والإنسانية والمعرفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، بما يعكس وعيًا فلسفيًا راسخًا بتشابك الخطاب الفلسفي مع التحولات التكنولوجية العميقة التي يشهدها العالم المعاصر. وفي حدود الاطلاع العلمي، تُعد هذه الرسالة أول دراسة دكتوراه في مصر والوطن العربي تتناول فلسفة تكنولوجيا الروبوتات بوصفها مجالًا فلسفيًا مستقلًا ومنهجيًا، الأمر الذي يضفي عليها قيمة علمية متميزة وريادة بحثية واضحة.
ويُضاف إلى ذلك أن الباحثة تمتلك رصيدًا معتبرًا من الإسهامات البحثية في مجال الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الروبوتات، تمثّل في بحوث ودراسات علمية تناولت الأبعاد الفلسفية والأخلاقية والمعرفية للتقنيات الذكية، وأسهمت في تعميق النقاش الأكاديمي حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وفلسفة التكنولوجيا، بما يعكس تراكمًا معرفيًا وخبرة بحثية راسخة في هذا الحقل المعرفي المعاصر.
وتستمد الرسالة أهميتها من معالجتها لموضوع بالغ الراهنية والحيوية، يتصل اتصالًا مباشرًا بالتحديات الفلسفية والأخلاقية التي تطرحها تكنولوجيا الروبوتات والذكاء الاصطناعي، ولا سيما ما يتعلق بمستقبل الإنسان، وحدود الوكالة البشرية، ومسؤولية الفعل التقني، فضلًا عن إسهامها في إثراء المكتبة الفلسفية العربية بدراسة علمية رصينة في مجال فلسفة التكنولوجيا وأخلاقيات الروبوتات، وفتح آفاق جديدة للبحث والحوار الأكاديمي حول التحولات العميقة التي تشهدها العلاقة بين الإنسان والتقنية.
وتكوّنت لجنة المناقشة والحكم من نخبة متميزة من أساتذة الفلسفة وفلسفة العلوم، ضمّت الأستاذ الدكتور صلاح إسماعيل، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة القاهرة رئيسًا للجنة ومناقشًا، والأستاذ الدكتور صلاح محمود عثمان، أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب جامعة المنوفية مشرفًا، والأستاذ الدكتور ناصر هاشم محمد، أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب جامعة أسيوط مشرفًا، والأستاذ الدكتور عادل عبد السميع عوض، أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب جامعة المنصورة مناقشًا.
وعقب مناقشة علمية جادة وعميقة، قررت اللجنة بالإجماع منح الباحثة درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة وتداولها بين الجامعات المصرية والعربية، تقديرًا لقيمتها العلمية وجدّتها البحثية وإسهامها النوعي في حقل فلسفة التكنولوجيا وأخلاقيات الروبوتات.
ويمثل هذا الإنجاز تتويجًا لمسيرة بحثية جادة وجهد علمي رصين، ويؤكد الحضور المتميز للباحثة في ميدان الدراسات الفلسفية المعاصرة، وإسهامها الفاعل في إثراء النقاش الفلسفي العربي حول تكنولوجيا الروبوتات ومستقبل العلاقة بين الإنسان والتقنية.












