في كل عام، حين يقترب يوم ميلادي، يمرّ الزمن من أمامي ببطء جارح، كأنه يتعمد أن يذكرني بأنني لم أولد كما يولد الناس، بل خرجت إلى هذا العالم زحفا، مثل كائن مطرود من رحم الفرح. الآخرون، أعرفهم جيدا، يهيئون الموائد، يضحكون، يشعلون الشموع بعدد أعمارهم، يلتقطون الصور ليقنعوا الزمن أنهم انتصروا عليه ولو لليلة واحدة. أما أنا، فحين يحلّ يومي، تنقلب الذاكرة إلى فيلم أبيض وأسود، بلا موسيقى، بلا تصفيق، بلا وجوه باسمة. ذكرى تشبه الحداد أكثر مما تشبه الاحتفال.
ولدتُ في بيت لا يُشبه البيوت، بل أقرب إلى زنزانة من زنازين التاريخ الملعون، بيت لو مرّت به الريح لاعتذرت. هناك، في ذلك الركن المعتم، جاءت بي أمي إلى الدنيا وهي تتوسل للقدر أن لا يسرقني منها لحظة الولادة. كانت تصرخ بصمت، تعضّ على الألم، بينما الجدران تتفرج بلا شفقة. لا مرحاض، لا مطبخ، لا مذياع يخفف وطأة الرعب، ولا تلفاز يبيع الوهم. فقط باب خشبي عجوز، يئنّ كلما تحرك، وكأن صريره كان إعلانا مبكرا بأن العالم لا يفتح ذراعيه للوافدين الجدد أمثالي.
رفض أبي أن يحمل أمي إلى المستشفى. تركها تلدني في العتمة، كأنني خطيئة يجب أن تولد خفية. خرجتُ إلى الحياة مثل أحد أهل الكهف، لكنهم ناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، أما أنا فاستيقظت منذ اللحظة الأولى على الفقر والخوف. لبثت في ذلك البيت سنتين كاملتين، سنتين من الهواء الثقيل، قبل أن ننتقل إلى منزل صغير، كأن القدر كان يضغط علينا تدريجيا ليختبر إلى أي حد يمكن للإنسان أن ينكمش دون أن يختفي.
تلك كانت ولادتي، وتلك كانت طفولتي: طفولة بلا أب حقيقي، وبأم منهكة، وبعالم لا يعطي شيئا مجانا. حرمتُ من العطف، من الخبز الكافي، من الدواء حين يمرض الجسد، ومن الثوب حين يبرد الشتاء. كبرتُ وأنا أتعلم باكرا أن الجوع لا يصرخ، بل يقيم في الأحشاء بصمت، وأن الحرمان لا يطلب الإذن، بل يفرض نفسه.
حين التفتّ إلى الماضي، وجدتني قد كبرت مثل نبتة صبار، لا لأنني أحب القسوة، بل لأن الأرض لم تمنحني خيارا آخر. تأقلمت مع كل بيئة كما يتأقلم الجرح مع الألم: ليس فضولًا ولا بطولة، بل غريزة بقاء. اشتغلت في أعمال تكسر الظهر، وحِرف تسرق العمر، لأنني لم أكن أملك شهادة تحميني ولا حرفة ترفعني. تركتُ الدراسة مبكرا، وركضت وراء الخبز، فسبقني التعب.
كبرتُ، صرتُ رجلا، تزوجت، وأنجبت ثلاثة أبناء: عبد القدوس، هبة الله، إلياس. هم عالمي الوحيد، وهم المعنى الذي أنقذني من الانهيار الكامل، إلى جانب أمي، تلك المرأة التي كانت وحدها وطنا متنقلًا. حين يأتي يوم ميلادي، يقترب أبنائي مني بفرح صادق، يحاولون أن يصنعوا لي عيدا، لكن قلبي يبقى باردا. لا أستطيع أن أحتفل بولادة لم تُحتفل بنفسها. ولادتي كانت بلا مراسيم، بلا شهود، كأنني خرجت من حكاية تُروى عن قبائل الجن الأزرق: يُسمع عنهم، ولا يُرون.
أسوأ ما في الأمر أن الطفل الذي كنتُه لم يكبر. بقي حبيسا في داخلي، يحدّق فيّ كلما نظرت في المرآة. يعاتبني بصوت خافت: لماذا كبرتَ وتركتني هنا؟ لماذا صرتَ رجلا وتركتني طفلا محاصرا في سجن الذكريات؟ فأجيبه متعبا: يا ليتني كنتُ مكانك، لبقيتُ صغيرا، لأن الكبر في هذا العالم ليس مكافأة، بل عقوبة مؤجلة.
لهذا، حين يسألني أحدهم: هل ستحتفل بعيد ميلادك؟ أبتسم ابتسامة مكسورة. كيف أحتفل بيوم لم يكن سوى بداية لمعركة طويلة؟ كيف أطفئ الشموع وأنا لم أرَ الضوء يومها؟ عيد ميلادي يمرّ كل عام، والطفل داخلي لا يكبر، لأنه يعرف أن البراءة، حين تُجرح باكرا، تفضّل أن تموت صغيرة على أن تعيش هرمة في عالم موحش.










