ويأمرونه بالصبر ، أىُ صبر هذا يا سادة الذى تطالبونه به ، أهو صبر العاجز المستسلم الضعيف الخانع الواهن الواهى !!.
لقد ماتت الزوجة التى كانت أُنسه وونيسه ، رفيقة دربه التى لازمته عشرات السنين بحلوّها ومرها ، بعذاباتها وفرحها ، بشقائها وراحتها ، بفقرها وسترها ، وتفرق الأبناء كلٌ فى طريق ، بعدما رباهم كما تمنى لهم وتمنوا هم لأنفسهم ، رباهم من ماله الحلال ومن كده وعرقه !!.
ثم هاهو يجد نفسه فى نهاية الرحلة وحيداً يجتر أحزانه وذكرياته ، يتأمل بيته الذى كان يشغى بالأحبة ، فإذا هو فضاء فسيح وخواء موحش ، فى كل ركن منه له فيه واقعة أو حادثة أو موقف ، فهنا استقبل أول مولود له ، وهنا جاءته بُشرى نجاح ابنته وتَفوّقها ، وهنا كان موضع صلاته المفضل ، وهنا يحلو له أن يجلس ليقرأ الجرنال ويستمع إلى الشيخ المنشاوى ، ويشرب قهوته !!.
الآن يذهب للصلاة فى المسجد ، فلا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد ، فكل رفاقه قد رحلوا أو ينتظرون الرحيل أومرضى لايبرحون فُرشَهم وأَسِرتَهم !! .
أشاروا عليه بالزواج ، سُنة الله التي شرعها لعباده ، فإذا به يصطدم بواقع عبثيّ سخيف ، فتلك تريد رصيداً باسمها في البنك ، وتلك تريد أن تعرف مقدار ميراثها مُقدماً ، وثالثة تطلب تقريراً طبيّاً عن مقدار فحولته الجنسية على مقياس ريختر ، وأخرى أرملة لديها من الأبناء أربعة وعليه تربيتهم ، وهو الذي يضيق بأحفاده !! .
اقترحوا عليه الإقامة عند إبنته ، تلك التي رقص فرحاً يوم زفافها ، لكن زوجها ضاق به ذرعاً ، وصار هو مشكلة المشاكل بينهما ، فالزوج الشاب يريد أن يقضى عدة أيام فى الشارم أو فى الساحل أو فى السخنة كما ينطقونها ، ولكن مع زوجته وإبنه فقط ، وبدون هذه العالة التى تُقيم عندهم وتضيق الخناق عليهم ، فغادر الرجل حزيناً كسيف البال ، قبل أن تؤدى المشاكل بسببه إلى طلاق إبنته !! .
غادر إلى حيث إبنه ، سَتره وغطاه ، رجل والرجال قليل كما تَوّهم ، لكن سُرعان ماتبدد عَشمه وتبخرت أحلامه وتكسرت طموحاته على صخرة زوجة إبنه الغبيّة ، التى حَباها الله ببوز يفوق زلّومة الفيل الهندي ، وكآبة وجه مثل قرد البابون الافريقى ، وتشنج وعصبيّة تُشبه ليل أمشير الشتوى الطويل ، وعلا احتجاجها بعد أن ظل مكتوماً لعدة أيام ، تريد راحتها ، تلبس الهوت شورت ، ترقص أمام المرآة ، تستقبل صُويّحبات النميمة والتفاهة ، ثم صرخت بعدما عيل صبرها « إيه القرف ده ، مش عارفه آخد راحتي في بيتي ، أففف » ، فكانت إشارة صريحة لصاحبنا بأن عليه أن يرحل فوراً !! .
ولكن إلى أين ، لقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، وما بقى له إلا أن يذهب إلى المقابر ، ويجلس عند إحداها ينتظر زيارة عزرائيل له لتسليمه استمارة النهاية !! .
وعاد بذاكرته إلى الماضى القريب ، حينما كُنا مصريين فعلاً ، يتزوج الأبناء مع أبيهم فى بيت واحد ، فيظل البيت عامراً بجيل يتبعه جيل ، ويموت الأب وسط أبنائه بعدما يوصيهم بما يتمنى ، وهم متحلقون حوله كالنجوم الزاهرة ، لكن لن يفيده الآن البكاء على اللبن المسكوب ، وماعليه إلا أن يقبل الواقع ، الذى كل خَياراته مُرة ومُهينة وموجعة ، إنها أوجاع الخريف ياسادتي !! .










