لا يعمل القهر البنيوي بمنطق العصا ولا بالقرارات الفجّة وحدها، بل يعمل حين يتحوّل الظلم إلى بنية: قوانين تبدو محايدة، أعراف تُقدَّس، أدوار اجتماعية تُفرض، وخطاب عام يُقنِع الناس بأن ما يعيشونه طبيعي، بل “صحيح”. هنا لا يعود القهر مصادفة، بل طريقة حياة.
هذه البنية لا تستثني أحدًا. هي تُسلط على المرأة والرجل معًا، لكن بآليات مختلفة ونتائج غير متساوية، وتنجح لأنها تُقسِّم المتضرّرين بدل أن توحّدهم.
كيف يُقهر الرجل بنيويًا؟
الرجل لا يُقهر غالبًا في قيمته الرمزية، بل في إنسانيته. يُطالَب بأن يكون قويًا دائمًا، مُعيلًا مهما كانت الظروف، متماسكًا حتى الانهيار. يُمنع عليه الاعتراف بالخوف أو التعب أو الفشل، ويُحاسَب إن خرج عن الدور.
بهذا المعنى، القهر البنيوي يصنع رجلًا:
• يعمل فوق طاقته خوفًا من الوصم.
• يكبت هشاشته حتى تتحوّل غضبًا.
• يُقاس بقدرته على السيطرة لا على التعاطف.
وحين يضيق به الخناق، قد يتحوّل من ضحية إلى منفّذ: يفرغ ضغط النظام فيمن هم أضعف، خروجاً عن طبيعته ولغته، لأن النظام لم يترك له لغة أخرى.
أما المرأة فيُقهر وجودها قبل دورها. صوتها مُؤوَّل، حريتها مشروطة، وطموحها قابل للتشكيك. يُحمَّل عليها “شرف” الجماعة، وتُدان حتى قبل الفعل.القهر هنا يتخفّى في ثياب الفضيلة: ويُقدَّم كحماية. يُبرَّر كأخلاق. ويُغلَّف كحرص.فتُطالَب المرأة بالامتنان لما يسلبها حقها، وبالصبر على ما لا يُطلب من غيرها. إن نجحت، فنجاحها “استثناء”. وإن فشلت، ففشلها “دليل”.
يلتقي قهر الرجل وقهر المرأة في النتيجة: مجتمع مُنهك.
• رجل مُتعب لا يُسمح له بالانكسار.
• امرأة مُستنزَفة لا يُسمح لها بالاختيار.
ويلتقيان أيضًا في الخديعة الكبرى: أن يُقنِع النظام كل طرف بأن الآخر هو المشكلة، بينما المشكلة الحقيقية هي البنية التي قهرتهما معًا.
قهر القهر البنيوي إنما يكون بتفكيك عميق: أولها إعادة تعريف الأدوار ، تحرير الرجل من أسطورة القوة المطلقة، وتحرير المرأة من أسطورة الطاعة الفضلى. الأدوار يجب أن تُبنى على الاختيار لا الإكراه. من خلال عدالة قانونية تقف على مسافة واحدة من كل الأفراد بوصفهم مواطنين، لا ذكورًا أو إناثًا. معيار واحد للمحاسبة، وحق واحد في الكرامة، من خلال تعليم يُحرّر لا يُروّض تعليم يُنمّي التفكير النقدي، ويكسر التلقين، ويعلّم الأطفال أن الاختلاف ليس تهديدًا، وأن الشرف والكرامة لا جنس لهما. باقتصاد يفتح أبواب الاستقلال فلا مجتمع سليم بلا استقلال اقتصادي عادل. فتمكين المرأة اقتصاديًا، وحماية الرجل من الاستنزاف، هو شرط لتحرير الاثنين من الابتزاز البنيوي .ولتحقيق ذلك لا بد من خطاب إعلامي صادق يُسمّي القهر باسمه، لا يُجمّله. ويُعيد الاعتبار للإنسان.
القهر البنيوي لا يُهزم حين ينتصر جنس على آخر، بل حين يدرك الاثنان أن خصمهما واحد. هو نظام يعيش على الخوف، والتقسيم، وتبادل الاتهام.
والمجتمع السليم لا يُبنى إلا حين نتوقّف عن تحميل الرجل قناع القوة. وعن تحميل المرأة عبء الذنب. وحين يتحوّل الاثنان من أدوار مفروضة إلى شركاء أحرار.
حينها فقط، لا نُصلح العلاقة بين رجل وامرأة فحسب، بل نُصلح البنية المجتمعية بأكملها.










