كان لديّ لقاء عمل عادي.
أُرسل العنوان عبر رسالة نصية، ولم أُدقّق فيه حتى اللحظة الأخيرة. وحين استقليت سيارتي وفتحت تطبيق تحديد المواقع، ظهر الاسم على الشاشة: صالة أعمال سان ريمو – في مجمع إيدن. في ثوانٍ معدودة أعادني الاسم عقودًا إلى الخلف: سان ريمو 1920 وإيدن 1956.
هناك أسماء لا تمرّ عابرة. أسماء لا تُقرأ كما تُقرأ الشوارع والمقاهي. أسماء تُجبرك على التوقّف، وعلى استدعاء التاريخ، وعلى طرح السؤال الأصعب: كيف وصلت هذه الأسماء إلى واجهات مدننا؟ وبأي منطق؟
سان ريمو: الاسم الذي خرج من غرفة التقسيم
مؤتمر سان ريمو لم يكن مؤتمرًا دبلوماسيًا عاديًا؛ كان لحظة إعادة رسم العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى بوصفه مناطق نفوذ. في سان ريمو جرى تفكيك سوريا الكبرى، ووُضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ووُضعت فلسطين وشرق الأردن والعراق تحت الانتداب البريطاني. هناك وُلدت الخرائط التي ما زلنا نعيش داخل شقوقها حتى اليوم. ومن هناك بدأ مسار التفتّت، وتأجيل الصراعات، وفتح الجرح الفلسطيني.
اسم سان ريمو في الذاكرة العربية ليس مدينة سياحية على البحر، بل عنوان لبداية الانكسار الجغرافي والسياسي. وحين يتحول هذا الاسم إلى قاعة أعمال أو فندق أو علامة تجارية في مدينة عربية، فالأمر لا يكون بريئًا: إما جهل بالتاريخ، أو استخفاف بالذاكرة، أو ما هو أخطر: تطبيع مع لحظة الهزيمة.
إيدن… الاسم الآخر للعدوان
أما إيدن، فليس اسمًا شعريًا ولا رمزًا إنسانيًا. هو اسم أنتوني إيدن، رئيس وزراء بريطانيا أثناء العدوان الثلاثي على مصر. في زمن إيدن قُصفت مصر، وانتهكت سيادتها، وتآمرت قوى استعمارية لإجهاض قرار عربي مستقل بعد تأميم قناة السويس.
إيدن ليس اسمًا محايدًا في تاريخنا؛ فهو مرتبط مباشرةً بعدوان عسكري، وبمحاولة كسر إرادة دولة. فكيف يُعاد هذا الاسم إلينا، منزوع السياق، ويُقدَّم في صورة مجمّع أعمال أنيق؟ وكأن الذاكرة تُغسل، ويُعاد تسويق المعتدي بلا تاريخه.
اللافت أن الغرب نفسه لا يفعل هذا. لقد دفن أسماءه السوداء: اسم هتلر انتهى تمامًا من الفضاء العام؛ لا فنادق، لا شوارع، لا مؤسسات. وكذلك أُقصيت رموز مثل ستالين ولينين من الحياة اليومية في كثير من الدول، وأُبقيت في كتب التاريخ والمتاحف، محاطة بالتحذير . ليس لأن الغرب بلا خطايا، بل لأنه يحمي ذاكرته كما يريدها هو. يفهم أن الاسم رمز، وأن الرمز يصنع وعيًا، وأن الوعي يوجّه الأجيال. أما نحن، فنفعل العكس: نحوّل لحظات إذلالنا إلى أسماء لامعة، ونعلّقها على واجهات زجاجية مضاءة.
المشكلة ليست في تلك الأسماء بحد ذاتها، ولا في الانفتاح على العالم. المشكلة حين نفقد الحسّ التاريخي، وحين لا يعود الاسم يستفز سؤالًا أو ذاكرة. هذه هي القابلية للاستعمار في صورتها الحديثة: لا جيوش، ولا عتاد انما اختراق وتحييد للذاكرة، وتحويل التاريخ إلى ديكور. نستعير الأسماء كما نستعير الأزياء دون أن نسأل: هل هذا الاسم يخصّنا؟ هل يجرح شيئًا في وعينا الجمعي؟
اسم سان ريمو داخل إيدن، لم يكن مصادفة لغوية. كان مشهدًا مكثفًا لحالة كاملة: ذاكرة مقموعة، وتاريخ مُفرغ، وأسماء تُختار بلا وعي.
الاسم ليس عنوانًا فقط؛ هو موقف أخلاقي، وشهادة وعي، ورسالة إلى المستقبل. وحين نفشل في اختيار أسمائنا، نفشل — بصمت — في حماية ذاكرتنا.
لذلك يبقى السؤال، بعد تلك الصدمة الم الموجعة على الطريق:
من يختار الأسماء؟ وبأي وعي؟ ولمصلحة أي ذاكرة؟
لأن هناك تواريخ وأسماء، لا نملك أمامها إلا أن نتوقّف طويلًا ونفكّر بعمق.










