سيكولوجية الشعوب تُقدّم لنا مفتاحًا مهمًا لفهم سلوك الإنسان، وتُفسّر بوضوح ذلك التناقض اللافت بين تصرّفه حين يكون فردًا مستقلًا، وبين ما يصدر عنه حين يذوب داخل الجموع.
فالإنسان، وهو وحده، يميل غالبًا إلى التفكير بعقلانية، يراجع ما يقرأ، ويسأل، ويقارن، ويحتكم—ولو جزئيًا—إلى منظومته الأخلاقية وقناعاته الشخصية.
لكن ما إن يجد نفسه وسط حشد، حتى يتراجع هذا الصوت الداخلي، ويعلو صوت الجمع، فيسلك كما يسلك الآخرون، لا كما يُفكّر هو.
من هنا يظهر ما نُسمّيه اليوم «التريند».
والتريند—وهو تعريب لكلمة Trend—يعني ببساطة: اتجاهًا سائدًا أو محتوى ينتشر على نطاق واسع خلال فترة قصيرة.
لا يُقاس التريند بعمقه، ولا بعقله، ولا بقيمته، بل بمدى انتشاره وعدد من يكرّرونه.
وهنا تكمن الإشكالية.
فنجد منشورات سخيفة، أو أفكارًا سطحية، أو سلوكيات لا تندرج تحت أي مظلة أخلاقية، تتحول فجأة إلى تريند، وتغزو الصفحات والمنصات، لأن القطيع تبنّاها.
والأخطر أن القليل فقط—إن وُجد—يتوقف ليسأل:
هل هذا التريند محترم؟
هل يُهين إنسانًا؟
هل يضيف وعيًا أم يخصم منه؟
في سيكولوجية الجموع، السؤال مزعج، والاختلاف مخاطرة، والتفكير خروج عن الصف.
الجموع لا تُفكّر، بل تُكرّر.
ولا تُحلّل، بل تُصفّق.
العقل الفردي داخل الحشد يصبح استثناءً نادرًا، ويغدو الانسياق هو القاعدة.
المشكلة إذن ليست في ال«تريند» ذاته، ولا في الانتشار كظاهرة، بل في استقالة العقل أمامه.
في أن يصبح الانتشار بديلاً عن القيمة، والعدد بديلاً عن المعنى، والتبعية بديلاً عن الوعي.










