حين طور عالم النفس جيفري يونغ العلاج النفسي بالمخططات المعرفية Schema Therapy ، والقائم على الأخذ بيد الطفل الجريح القابع داخل الشخص البالغ ،ذلك الطفل الذي عانى النبذ ،الرفض،القسوة،الإساءة،الاهمال،العنف،الانتهاكات،الصدمات المتكررة وهنا تسمى (صدمات مركبة) بسبب تكرارها،وضع جيفري يونغ فنيات وتقنيات علاجية خاصة على ثلاث مستويات:معرفية اي فكرية،مشاعرية،سلوكية .
وسمى علاجه في البداية باسم(اعادة التربية)،اي أن نعيد تربية ذلك الطفل الجريح بداخل البالغ ونعلمه كيف يشعر بالأمان الذي فقده والحب الذي لم يجده والتقدير والإستقلالية والثقة بالنفس التي لم يحصل عليها ،واعادة تشكيل الذكريات المؤذية وتقنيات كثيرة أخرى .
لكن اثناء تطبيق العلاج بالمخططات المعرفية وهو من أحدث العلاجات النفسية الذي يعالج جذور الألم النفسي وليس اعراضه فقط ،كان أحد المعالجين الذي يعملون تحت اشراف جفري يونغ مع أنه معالج بارع إلا أنه تعامل مع مفهوم اعادة التربية للطفل الجريح بشكل مبالغ فيه مع مريض شاب كان يعاني من مرض والم نفسي نتيجة نبذ ورفض وقسوة الأب معه وظروف أسرية أخرى معقدة .
وعند تطبيق تلك الفنيات الخاصة بهذا العلاج راح هذا المعالج يقوم بدور الأب لهذا الشاب ،وأشعره وكأنه والده،وسمح له أن يناديه (بابا) ،ومع أن العلاقة العلاجية بين المعالج والمريض في العلاج بأسس المخططات المعرفية هي أهم ركن في العلاج لأن اهم مايميز المعالجين في هذه المدرسة هو ليس المهارة والإتقان فقط بل أن يتصفوا بالرحمة والإنسانية أكثر من المعالجين العاملين بالمدارس العلاجية الأخرى لأن هذه المدرسة تفتح جروح الطفولة وتعيد ترميمها من جديد إلا أن الخطأ الذي حدث هنا كانت نهايته كارثية.
في يوم من الأيام انشغل المعالج بمؤتمر علمي مهم وكان عليه أن يسافر لأسبوعين وبسبب ضغط العمل الشديد ارسل رسائل للشاب الذي كان يعالجه بأن الجلسات العلاجية سيتم تأجيلها لأسبوعين لأسباب ضرورية.
طبعا الشاب كان يَشعر تجاه ذلك المعالج شعور من وجد الأب المحب الحنون وكان يناديه (بابا)، وبسبب انشغال المعالج وضغط المؤتمر لم يقم باتصال أو تواصل مناسب للعاطفة التي جعل الشاب يكونها تجاهه واكتفى بارسال رسائل روتينية لتأجيل الجلسات.
وهنا حدثت صدمة اعادت فتح الجرح من جديد ، شعر ذلك الشاب بأنه مرفوض ومنبوذ من جديد ، أعادت الصدمة العاطفية تفعيل الجرح ،اعادت الاهمال واللامبالاة ،اعادت الألم وفقدان الأمان ،فما كان منه إلا أن أنهى حياته بيده في تلك اللحظة.
وبسبب هذه الكارثة غير المقصودة بالطبع من قبل المعالج النفسي ،اعاد جفري يونغ تسمية العلاج وحدده ب(اعادة التربية المحدودة).
اضاف كلمة(المحدودة) كي يفهم المعالجون أن دورهم هو مساعدة المريض لتغيير افكاره وتقليل الدم النازف من الجروح القديمة وليس تقمص دور أب أو أم أو حبيب .
وردت هذه الحادثة ضمن تحذيرات تدريبية في اخلاقيات (اعادة التربية المحدودة )، وقد رٌويت بصيغ مختلفة.
هنا أريدكم أن تتخيلوا معي إذا كنتم قد اكملتم القراءة ووصلتم معي إلى هذه النقطة:
تُرى كيف سيشعر من منحته انت الحب والأمان والقبول وأشعرته بأنك الجدار الذي يستند إليه ،والأرض الصلبة التي ستحمي قدميه من الإنزلاق ،ثم سحبت منه كل مااعطيته وتركته يواجه الجراح القديمة وحيدا ؟!!
قبل أن تجيبوا على هذا السؤال ،اضيف سؤالا آخر للسؤال الأول:
تُرى كيف سيشعر وهو يعلم بأنك كنت ترى الطفل الجريح بداخله ينزف ،واحتويته بحضن ظن أنه سيُسكِت الأنين إلى الأبد ،ثم سحبت منه كل مااعطيت بل وأضفت فوق ذلك نبذ صريح ورفض مباشر ؟؟؟
من استطاع اكمال المقال ،ومسته الأسئلة ،انتظر جوابه .










