الاخبارية وكالات
الانعطافة الحادّة التي تنفّذها السعودية في الأشهر الأخيرة ليست دليل ارتباك، بل تعبير عن وضوح ذهني لقائد يواجه الواقع بعينين مفتوحتين. محمد بن سلمان لا “يتخبّط”؛ بل يقود سفينة السعودية العملاقة وسط عاصفة تاريخية مزدوجة، ويُضطر للعمل على جبهتين متناقضتين في آن واحد. مأساة ولي العهد وعظمته تكمنان في الفجوة الهائلة التي فُتحت أمامه: فبينما يحقّق على الساحة الدولية إنجازات لافتة ويعزّز مكانته، يُجبر داخليًا على مواجهة قوى جبّارة تهدّد مستقبل المملكة. هو يدرك ما يرفض كثيرون من أبناء شعبه رؤيته: لكي تبقى السعودية في القرن الحادي والعشرين، لا يكفي ترميمها — بل يجب تفكيكها وإعادة بنائها. وهذه العملية تجلب معها تحدّيات كبرى.
على الصعيد الدولي، تعيش السعودية لحظة ذروة. عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والانهيار المتواصل لإيران صنعا لرياض “معجزة مزدوجة”: عادت المظلّة الأميركية (بعد أن وصف الرئيس بايدن محمد بن سلمان بـ“المنبوذ”)، وتراجع التهديد الوجودي الشيعي بصورة دراماتيكية. وفي ظلّ الحيّز السياسي الذي فُتح أمامه، يختار ولي العهد قصف قوافل إمداد إماراتية بعنف في فضاء الإدارة المؤقتة بجنوب اليمن، وشنّ هجوم سامّ على دولة الإمارات، ومحاولة إقامة تحالف عسكري مع تركيا وباكستان.
هذا الهامش السياسي–العسكري النادر يتيح لابن سلمان أن يحوّل نظره عن الحدود، ويركّز على حربه الحقيقية: الحرب في الداخل.
القصة الكبرى هي الإخفاق الزاحف في تنفيذ “رؤية 2030”. محمد بن سلمان، أكثر القادة طموحًا في القرن الحادي والعشرين، خرج عشية تعيينه إلى حرب ضد ثلاثة قوى تاريخية هائلة، كل واحدة منها قادرة وحدها على إسقاط إمبراطوريات:
- مئة عام من النفط: الذهب الأسود لم يُغنِ الدولة فحسب، بل عطّل كل عضلة إنتاجية في المجتمع. اعتاد المواطن السعودي على عقد بسيط: هدوء سياسي مقابل رخاء اقتصادي. يحاول محمد بن سلمان كسر هذا العقد وتحويل رعاياه إلى مواطنين مبادرين وحداثيين، لكنه يكتشف أن الجسد المتآكل يستجيب أبطأ مما توقّع.
- مئة عام من تهميش النساء: إقصاء النساء لم يكن ظلمًا أخلاقيًا فقط، بل كان تفجيرًا اقتصاديًا عطّل نصف القوة الإنتاجية في الدولة. في أحد لقاءات الرئيس شمعون بيريس مع الرئيس باراك أوباما، سأل الرئيس الأميركي: “بمن عليّ أن أتعامل لتحرير طاقات الشرق الأوسط؟” فأجابه الرئيس الراحل: “بالأزواج (the husbands)”. قمع النساء يسبّب ضررًا ثلاثيًا: لهنّ، وللأبناء الذين ينشؤون في ثقافة متخلّفة، وللمجتمع ككل. دمج النساء ضرورة اقتصادية، لكنه يهزّ سلطة الرجل السعودي داخل بيته ويولّد ردّة فعل ثقافية عنيفة.
- المؤسسة الدينية: الوهابية هي التي منحت آل سعود الشرعية للحكم أصلًا. يحاول محمد بن سلمان قلب المعادلة وإخضاع الدين للدولة، وهو مسار يتركه مكشوفًا ومن دون “شهادة كوشِر” تقليدية.
لفهم حجم التحدّي أمام هذه القوى، يكفي النظر إلى جداول الإكسل. الأرقام تكشف أن العالم لا يشتري الرؤية.
هدف “رؤية 2030” للاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) هو 100 مليار دولار سنويًا. الواقع؟ بعيد سنوات ضوئية. في عام 2023 بلغت الاستثمارات نحو 19 مليار دولار فقط (نحو 12 مليارًا بعد خصم صفقات أحادية مرتبطة بأرامكو). وفي 2024 واصل الاتجاه تراجعه، ليشكّل أقل من 20% من الهدف. معظم “الاستثمارات” ليست مصانع جديدة، بل إعادة تدوير لأموال النفط. وإضافة إلى ذلك، بعد زيارة ترامب للخليج، وُلدت توقّعات لاستثمارات سعودية بعشرات بل مئات مليارات الدولارات في الولايات المتحدة المتجدّدة.
الأخطر من ذلك هو وضع “الخزينة الصغيرة” — صندوق الثروة السيادي (PIF). الصندوق، المفترض أن يموّل المشاريع العملاقة، أبلغ عن هبوط حرّ في احتياطياته النقدية: من 50 مليار دولار في 2020 إلى 15 مليار دولار فقط في منتصف 2024. هذا مستوى سيولة خطِر.
يضاف إلى ذلك المؤشر الماكروي الأهم: “سعر التوازن”. لكي تتمكّن السعودية من تمويل ميزانيتها الطموحة من دون عجز، تحتاج إلى سعر نفط يقارب 96 دولارًا للبرميل. عمليًا، يسعّر السوق العالمي النفط في نطاق 75–80 دولارًا. النتيجة: عجز بنيوي ومزمن، يفرض على المملكة الاستدانة وتقليص مشروع الراية “نيوم” بصورة دراماتيكية.
هنا يكمن المأزق الحقيقي. ليس الأمر مسألة “نجاح أو فشل”، بل مفارقة الإصلاح ذاته. محمد بن سلمان يدرك أن النموذج القديم حكم على السعودية بالموت البطيء. لكن الإصلاح الذي يقترحه يشبه جراحة قلب مفتوح بلا تخدير: يسحب الأرضية المستقرة (الدين، التقاليد، الرفاه بلا عمل) من تحت أقدام رعاياه، ويعرض عليهم في المقابل رؤية مستقبلية تبدو حتى الآن بعيدة ومتعثّرة اقتصاديًا.
كلما تعمّق في الإصلاح، مسّ بمصالح أكثر، وكسر أعرافًا أكثر، وصنع أعداء أكثر في الداخل. وكلما حاول تحويل السعودية إلى دولة “طبيعية” ومنتِجة، اضطر إلى تفكيك الآليات
التي أبقت عائلته في الحكم مئة عام. إنه سباق مع الزمن: هل سينجح في خلق “السعودي الجديد” قبل أن يثور السعودي القديم؟
القراءة الإسرائيلية للواقع السعودي عبر “نظارات التطبيع” قراءة خاطئة. نحن مجرّد مشتق ثالث من مشروع ولي العهد الشجاع والطموح. الافتراض بأن محمد بن سلمان سيكون “لي كوان يو” الشرق الأوسط، الذي يقود تحديثًا مستقرًا وسلسًا على غرار سنغافورة، هو تفاؤل مفرط. احتمال أن ينجح مركزيٌّ سلطويّ في تنفيذ تحوّل ثقافي عميق كهذا من دون هزّات كبرى ضئيل. ومن الطبيعي تمامًا، في هذه البيئة السياسية، أن يبتعد محمد بن سلمان عن منطق “اتفاقيات أبراهام” الذي سيعمّق احتكاكه بالقوى الداخلية الثلاث للإصلاح. بدل ذلك، “يلعب على المضمون” بخطاب تفوّق سعودي إقليمي وبشراكات طبيعية مثل تركيا وباكستان.
التطبيع مع السعودية سيكون إنجازًا هائلًا لإسرائيل وللإقليم كله، لكن لا يجوز لإسرائيل أن تبني أبراجًا في الهواء على افتراض استقرار سعودي. خطوات محمد بن سلمان الأخيرة بعيدًا عن اتفاقيات أبراهام، والتحالف المتجدّد مع باكستان، تدلّ على أنه يبحث عن وثائق تأمين ويسعى لاستثمار الفتحة الجيوسياسية التي فُتحت أمامه. بالنسبة لنا، هذه إشارة للعودة إلى النظر نحو الارتكاز الحقيقي والثابت في الإقليم — نيودلهي، لا الرياض.










