الخميس , 22 أكتوبر 2026

مأمون الشناوي يكتب.. ملعون أبو الفلوس !!

بعد أسبوع واحد من سفري إلي ليبيا ، في بداية تسعينيات القرن الماضي ، وكنت أقيم في فيلا المسؤول الكبير الذي تعاقد معي ، وأذهب إلي العمل معه في سيارته ، قلت له ذات صباح : ( إما أن تتوجه بي إلي المطار لكيّ أعود إلي مصر .. أو تحضر لي أسرتي ) ، فلبي الرجل مشكوراً رغبتي ، وأحضر الأسرة خلال يومين !!.
أنا من الجيل الذي تربي بين والديه ، واعتاد كل صباح وكل مساء علي رؤيتهما ، ولم يخطر ببالي يوماً أن يتغيب أحدهما أو كلاهما إلا بالموت ، وهكذا كان كل أقراني وأبناء جيلي !!.
لم أتخيل البيت الكبير بدون والدي ووالدتي ، إلا ماندر ، لدواعي سفر طارئ !!.
وكان الإنسان المصري يقسم بغربته ، إذا ما سافر إلي المركز أو عاصمة الإقليم لأمر ما ، ولم يكن يغيب لشهور إلا عند أداء الخدمة العسكرية !!.
ثم فجأة انفجرت أسعار النفط ، وتدفقت علي دول الخليج أموال طائلة ، وعرف المصريون أكبر هجرة لهم في التاريخ ، حين اندفعوا بالملايين إلي تلك الدول ، تدغدغ مشاعرهم أحلام الثراء السريع ، حتي غدت قري وأحياء بكاملها يعيش أبناؤها في تلك الدول ، تاركين أبناءهم وزوجاتهم عرضة لكل الأمراض الاجتماعية ، وشتي صنوف الانحرافات الأخلاقية ، وحدثت كوارث ، لا علاج لها ، ولا ترميم يصلحها لعشرات السنين القادمة !!.
إن أخطر ما يعتاده الفتي أو الفتاة هو غياب الأب ، والذي يتحول لسفره الدائم إلي ضيف ثقيل ، وإلي مجرد محفظة نقود أو بنك !!.
وكان الثمن فادحاً ، وآخر تلك الأثمان الباهظة ماحدث لطبيبة بنها وزوجها ، اللذين فجعا في وفاة أبنائهما الخمسة ، إثر تسريب للغاز من سخان المياه الذي انفجر !!.
ولا أريد أن أزيد من آلام الوالدين المكلومين ، فلا مزايدة علي أحزانهما التي تهد الجبال ، ولكني أنبه إلي أنه لا أحد في الدنيا يحل محل الأم والأب ، ولا يوجد مبرر واحد لترك الأبناء يلاطمون الحياة وحدهم ، في زمن عمه الفساد وغمره الانحراف ، ومن أجل ماذا .. الفلوس ، ملعون أبو الفلوس !!.

شاهد أيضاً

د. عادل عامر يكتب.. كيف أرى العلاقة بين منتدى مصر 2026 والحوار الوطني؟

نحو تكامل بين الحوار المجتمعي وصناعة القرار وتحقيق التنمية لم تعد إدارة القضايا الوطنية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *