بعد أسبوع واحد من سفري إلي ليبيا ، في بداية تسعينيات القرن الماضي ، وكنت أقيم في فيلا المسؤول الكبير الذي تعاقد معي ، وأذهب إلي العمل معه في سيارته ، قلت له ذات صباح : ( إما أن تتوجه بي إلي المطار لكيّ أعود إلي مصر .. أو تحضر لي أسرتي ) ، فلبي الرجل مشكوراً رغبتي ، وأحضر الأسرة خلال يومين !!.
أنا من الجيل الذي تربي بين والديه ، واعتاد كل صباح وكل مساء علي رؤيتهما ، ولم يخطر ببالي يوماً أن يتغيب أحدهما أو كلاهما إلا بالموت ، وهكذا كان كل أقراني وأبناء جيلي !!.
لم أتخيل البيت الكبير بدون والدي ووالدتي ، إلا ماندر ، لدواعي سفر طارئ !!.
وكان الإنسان المصري يقسم بغربته ، إذا ما سافر إلي المركز أو عاصمة الإقليم لأمر ما ، ولم يكن يغيب لشهور إلا عند أداء الخدمة العسكرية !!.
ثم فجأة انفجرت أسعار النفط ، وتدفقت علي دول الخليج أموال طائلة ، وعرف المصريون أكبر هجرة لهم في التاريخ ، حين اندفعوا بالملايين إلي تلك الدول ، تدغدغ مشاعرهم أحلام الثراء السريع ، حتي غدت قري وأحياء بكاملها يعيش أبناؤها في تلك الدول ، تاركين أبناءهم وزوجاتهم عرضة لكل الأمراض الاجتماعية ، وشتي صنوف الانحرافات الأخلاقية ، وحدثت كوارث ، لا علاج لها ، ولا ترميم يصلحها لعشرات السنين القادمة !!.
إن أخطر ما يعتاده الفتي أو الفتاة هو غياب الأب ، والذي يتحول لسفره الدائم إلي ضيف ثقيل ، وإلي مجرد محفظة نقود أو بنك !!.
وكان الثمن فادحاً ، وآخر تلك الأثمان الباهظة ماحدث لطبيبة بنها وزوجها ، اللذين فجعا في وفاة أبنائهما الخمسة ، إثر تسريب للغاز من سخان المياه الذي انفجر !!.
ولا أريد أن أزيد من آلام الوالدين المكلومين ، فلا مزايدة علي أحزانهما التي تهد الجبال ، ولكني أنبه إلي أنه لا أحد في الدنيا يحل محل الأم والأب ، ولا يوجد مبرر واحد لترك الأبناء يلاطمون الحياة وحدهم ، في زمن عمه الفساد وغمره الانحراف ، ومن أجل ماذا .. الفلوس ، ملعون أبو الفلوس !!.











