عدتُ من الغربة، أحمل في عيني مرآة ما فقدت، وفي قلبي ثقل الحنين. كل زاوية من شوارع الوطن تتحدث بلغة الصمت الطويل، تحمل قصص القلوب المنهارة تحت وطأة الأيام، وأعين فقدت بريق الأمان. آه يا ليل، هل تسمع أنيننا؟ هل تسمع صرخاتنا على الديار التي غابت فيها الضحكات؟
القرية التي عرفتها تغيّرت… الكلاب تعوي في ديار كانت ديارًا، المصاطب هدمت، والمجالس غابت، ولم يعد أحد يجلس حول المرقد يتبادل السمر والحكايات. الجلباب اختفى، وأصبح اللباس مزجًا من التخلف والزيف. آه يا دنيا… آه… كم تغيّرنا!
حتى القطار اختفى، والترعة قطعت الأشجار، والأرض صارت بلا حياة. مالك يا بلد… تائه بين ثرثرة الحضارة المزيفة، حتى حمير القرية صارت عصرية، تمشي كأنها على مدارج الموضة! والروح القديمة تذبل في صمت. أصبحت الطرق صامتة، والأرصفة تتنفس الغربة، والأبواب التي كانت ترحب بنا أصبحت جدرانًا صامدة، والليل يتسلل إلى كل زاوية، يحمل معه خيبات الأمس، وألم الحاضر، ونسيان الغائبين.
فين ليالي السمر والسهر… والناس جلسة بجوار الساقية، تسمع من يقول: “المية وصلت فين؟” آه يا زمن… فين نور القمر؟!
الناس كانوا يلعبون السيجة، ينتظرون عودة المزيكا بعد الفرح… وحارة الفن كانت تعج بالضحك والصخب، وكانت كل زاوية فيها قصة، وكل خطوة تحكي ذكريات الطفولة والموسيقى والحنين.
أرى الناس، لكنهم ليسوا كما عرفتهم. كأن الغربة والأيام سرقت منهم ضحكتهم… آه يا دنيا… آه… آه يا زمن، وسلّمت قلوبهم لليأس والبرد. أصبح الحديث بين الناس حذرًا، وصدى المحبة أصبح ذكرى بعيدة، والقلب يبحث عن دفء لم يعد موجودًا.
لكن رغم كل هذا، يبقى شيء خافت… شعلة صغيرة في داخلي تذكرني بأن حب الوطن لا يموت، وأن الماضي الجميل ما زال مختبئًا في القلب، مهما طال الزمن الكاذب، ومهما حاول الليل أن يسرقنا.
آه يا وطن، آه يا ليل… كم نحن ضعفاء أمام خداع الأيام، لكننا لا ننسى، لا نستسلم. سنظل نحمل الذكريات، ونحلم بأن يعود الزمن أصدق، ويبتسم الوطن كما كان، ويعود الناس كما عرفناهم، صادقين، طاهرين، حاملين الأمل في قلوبهم.
لن يموت الحب، مهما عمت الخراب، ولن ينطفئ القلب، مهما طال الليل. فالحياة تستمر، والروح ترفض الانكسار، والذكريات تصنع لنا وطنًا آخر في الصمت، حين يغيب الحاضر المؤلم، ونبقى وحدنا مع أنفسنا، نحمل الأمل.
آه يا دنيا… آه يا زمن… تعلمنا الغربة أن نعرف قيمة كل لحظة، أن نحزن بلا خجل، أن نحب بلا شروط، أن نتأمل بلا يأس، وأن نحلم بلا حدود. فالروح، مهما ابتعدت، ستظل تفتش عن وطنها، والقلب، مهما تألم، سيظل يعود إلى حيث عاش الحب والحلم والجمال.
آه يا دنيا… آه يا وطن… آه يا زمن كاذب… سنظل نحملك في عقولنا وقلوبنا، مهما طالت الغربة، ومهما تغير كل شيء. الوطن في الذاكرة، والحب فيه خالد، والأمل هو ما يبقينا على قيد الحياة. حتى لو خذلتنا الديار، وغابت المصاطب، وقطعت الترع، واختفى القطار… سيظل القلب يعود، سيظل الحنين صادقًا، وسيبقى الوطن حيًا في روحنا.
من يوميات كاتب في الأرياف










