في مجتمعاتنا العربية، لا تكمن المشكلة في غياب المعرفة، بل في التعايش المريح مع التناقض. نعرف الشيء ثم ننكره، نرفض الفعل ونمارسه، نطالب بالقيم ونبرر خرقها. هنا لا يكون الجهل هو الأزمة، بل التنافر المعرفي بوصفه نمطًا اجتماعيًا مستقرًا، لا مجرد حالة نفسية فردية عابرة.
فالمجتمع يعرف قيمة العدل، لكنه يتسامح مع الظلم إذا كان صادرًا من “قريب” أو “قوي”. ويرفع شعار النزاهة، ثم يغضّ الطرف عن الفساد حين يمر عبر شبكة العلاقات والمصالح. هذا التناقض لا يُواجَه بالتصحيح أو المحاسبة، بل يُعالَج بسلسلة من التبريرات الجاهزة: الظروف صعبة، الكل يفعل ذلك، ليس الوقت مناسبًا. والنتيجة ليست حلّ المشكلة، بل تهدئة الضمير بدل إصلاح الخلل.
ويتجلّى هذا التنافر بوضوح في الفجوة بين الخطاب والممارسة. ففي الخطاب العام، تتصدّر الأخلاق والدين والفضيلة المشهد، بينما في الحياة اليومية تتراجع هذه القيم أمام المصالح والولاءات والانتقائية. هذا الانفصام لا يولّد شعورًا طويل الأمد بالذنب، لأن المجتمع يوفّر مخارج نفسية جاهزة: أعذار جماعية، وتخدير لغوي يحوّل الخطأ إلى “ضرورة” والانحراف إلى “استثناء”.
وحين تتناقض الشعارات الرسمية مع الواقع المعيشي، لا يُعاد النظر في السياسات ولا تُطرح الأسئلة الصعبة، بل يُعاد تعريف الواقع نفسه. تُصاغ لغة جديدة تُجمّل التراجع، وتسوّق الفشل باعتباره “إنجازًا مرحليًا” أو “ظرفًا عابرًا”. ومع الوقت، يتعلّم الناس أن التكيّف أهم من السؤال، وأن الصمت أضمن من المواجهة، فيتحوّل التنافر من حالة نفسية مزعجة إلى ثقافة مُدارة ومقبولة.
ولا يقف أثر هذا التناقض عند حدود الخطاب العام، بل يتسلل إلى التربية اليومية. فالطفل الذي يسمع عن الصدق ثم يرى الكذب طريقًا للنجاة، يتعلّم درسًا عمليًا أقوى من أي موعظة. والشاب الذي يُطالَب بالمثالية بينما تُغلق الأبواب أمامه، يتصالح تدريجيًا مع ازدواجية القيم. هنا لا يصبح التنافر خيارًا فرديًا، بل مهارة اجتماعية للبقاء.
ويستمر هذا التنافر لأنه ببساطة أقل كلفة من التغيير. فالاعتراف بالتناقض يستدعي محاسبة حقيقية، وإعادة توزيع للسلطة، وتحمّل ثمن الإصلاح. أما التبرير، فيمنح راحة مؤقتة بلا خسائر مباشرة. وهكذا يُفضَّل الوهم المنسجم على الحقيقة المقلقة، ويُؤجَّل الإصلاح باسم الواقعية.
لكن الثمن البعيد لا يمكن تجاهله. فالمجتمع الذي يتعايش مع تناقضاته يفقد قدرته على الثقة:
لا يثق بالمؤسسات لأنها تقول ما لا تفعل،
ولا يثق بالأفراد لأن القيم انتقائية،
ولا يثق بالمستقبل لأن الإصلاح مؤجَّل دائمًا.
وحين يصبح التنافر المعرفي جماعيًا، فهو لا يدمّر الأخلاق فقط، بل يجمّد التطور ويحوّل الركود إلى حالة طبيعية.
في المحصلة، التنافر المعرفي في المجتمعات العربية يُعتبر آلية دفاع اجتماعية تُستخدم لتجنّب المواجهة. وكسره يبدأ بالاعتراف بوجوده ثم التوقف عن ممارسته في الأسرة أولاً ، ومن ثم في الشارع، وعلى مستوى الدولة. فالتغيير لا يبدأ حين نعرف الحقيقة، بل حين نتوقف عن الهروب منها










