قراءة في هشاشة الدولة وفق عبدالوهاب المسيري بين صفحات التاريخ وفصول الصراع، تنبّه المفكر عبدالوهاب المسيري إلى أمر صارخ: دولة إسرائيل، التي يبدو من الخارج أنها صخرة صلبة لا تتزعزع، تحمل في جوفها هشاشة خطيرة. قوة ظاهرية، لكنها ضعيفة أمام الوقت، أمام الواقع، وأمام إرادة الشعوب التي تحتلها. يكتب المسيري عن الهشاشة الديموغرافية، تلك الحقيقة التي لا تتحدث عنها الأخبار اليومية: العرب يشكلون أغلبية متزايدة في الأراضي المحتلة، بينما عدد اليهود يعتمد على الهجرة والدعم الخارجي. دولة تحاول أن تبدو أبدية، لكنها في الواقع تتأرجح على حافة معضلة وجودية: إما التضحية بالديمقراطية المزعومة، أو خسارة السيطرة على أرضها. لكن الهشاشة ليست مجرد أرقام. المقاومة الفلسطينية، بكل أشكالها، هي نبض دائم يزعزع صلب الدولة. لا يقتصر الصراع على السلاح، بل يمتد إلى الثقافة والتاريخ والهوية. المقاومة تمثل صدى الماضي والحاضر معًا، حائطًا يقف أمام كل محاولات طمس الحقيقة أو فرض واقع مزيّف. أما على الصعيد الدولي، فالصورة ليست وردية كما يصورها الإعلام الإسرائيلي. العزلة قائمة، والضغط السياسي والاقتصادي مستمر. دعم بعض القوى الكبرى لا يغطي الصدع الداخلي الذي يكاد يكون أكبر تهديد: صراعات دينية بين العلمانيين والمتدينين، توترات بين أصول يهودية مختلفة، وتصادم مستمر بين مؤسسات الدولة والجماعات المتطرفة. في العمق، تقول أيديولوجيا الصهيونية إن الدولة خُلقت لتسيطر على كل شبر من الأرض. لكن الواقع يصر على أن هذه الأحلام تتلاشى أمام الطبيعة والجغرافيا والديموغرافيا. هنا تكمن المفارقة المدوية: أقوى دولة على السطح، لكنها أضعف من الداخل، وقوة الظاهر لا يمكن أن تحجب هشاشة الجوهر. الرسالة التي يتركها المسيري واضحة: زوال إسرائيل ليس خيالاً، بل احتمال قائم على معطيات حقيقية. إنه احتمال يختزن كل صراع، كل ظلم، وكل إرادة شعوب. الدولة التي بنيت على التوسع والقهر تواجه اليوم حدودًا من الحقيقة لا يمكن تجاوزها، وحين تنقشع هذه القشرة، يظهر ضعفها الصامت الذي لم تراه وسائل الإعلام بعد. في النهاية، إسرائيل، بقوتها الظاهرية وأيديولوجيتها، تعيش على حافة مفترق بين الوجود والاندثار. ليست كوارثًا خارجية، بل الصراع الداخلي بين الأيديولوجيا والواقع هو ما قد يُسقطها، والزمان وحده كفيل بأن يكشف هذا الانهيار.









