لم تكن زينة أول ضحية سقطت بسكين، لكنها واحدة من أكثر القصص قسوة لأنها تكشف ما هو أبعد من لحظة القتل.
السكين لم تكن البداية، بل كانت النهاية.الجريمة الحقيقية بدأت قبل بسنوات، بهدوء، دون دم، ودون صراخ.
نحن نميل، عند كل فاجعة، إلى البحث عن الجاني الفردي، عن “الوحش” الذي خرج عن الإنسانية. لكن الأخطر من الجاني هو البيئة التي أنتجته، وسمحت له أن يتشكل، وأن ينفصل عن المعنى، وأن يتصالح مع العنف بوصفه خيارًا.
المخدرات ليست مجرد مادة تُتعاطى، بل حالة ذهنية.هي هروب من واقع، وانفصال عن ذات، وتخدير طويل للضمير.لكن الأخطر أن هذا التخدير لم يعد محصورًا في الإبر أو الحبوب، بل تمدد ليشمل الفكر، والذوق، والوعي نحن نعيش في زمن “التخدير العام”:
إعلام يُسطّح الألم، ويُطبع الجريمة، ويحوّل الانحراف إلى مادة ترفيه. منصات تمجّد التفاهة، وتكافئ الصراخ، وتمنح الشهرة للأكثر فراغًا.خطاب عام يسخر من القيم، ويُشيطن التفكير، ويقدّم العنف أحيانًا كقوة، والبلطجة كجرأة.
في هذا المناخ، يكبر بعض الشباب وهم بلا أدوات داخلية، بلا لغة للتعبير، بلا مساحة للاحتواء بلا نموذج يُحتذى. وفي عمر الورود، بدل أن يتجهوا إلى الإبداع والمعنى، يُدفَعون – أو يُتركون – نحو أفكار متطرفة :إما تطرف مخدّر يُفرغ الإنسان من إحساسه أو تطرف فكري يُقنعه أن العالم عدو، وأن العنف مبرَّر.وهنا تصبح الأسرة وحدها عاجزة.
الأب والأم قد يسهران الليالي، يضحّيان، يحلمان، لكنهما يقفان أحيانًا أمام جدار أكبر منهما: مجتمع لا يحمي أبناءه فكريا ومؤسسات تلاحق النتيجة لا الجذور ونقاش عام لا يبدأ إلا بعد الكارثة.
قصة زينة موجعة لأنها تضعنا أمام السؤال الأصعب:ماذا نفعل حين يأتي الخطر من الداخل؟ حين يكون القاتل ابن البيت، وابن المجتمع، وابن الإهمال الطويل؟
الحلول ليست أمنية فقط، ولا قانونية فقط. نحن بحاجة إلى صحوة شاملة: بحاجة الى مواجهة حقيقية لملف الإدمان بوصفه أزمة مجتمعية لا فضيحة فردية. نحن بحاجة إعادة الاعتبار للتربية النفسية والفكرية كحماية. وبحاجة الى إعلام مسؤول يتوقف عن التخدير، ويبدأ في طرح الأسئلة الصعبة.، طاب ثقافي يُعيد للشباب معنى الحياة، لا مجرد طرق الهروب منها.
زينة رحلت، ولن تعود.
لكن دمها يضع الإصبع على جرح ينزف بقوة، وجرح إن تجاهلناه، سيفتح بابًا لفواجع أخرى.
الرحمة لروحها، والصبر لقلبَي والديها،
والمسؤولية علينا جميعًا حتى لا تصبح هذه القصة مجرد رقم جديد في سجل الوجع.










