اتابع بشغف كل جديد يصدر في عالم الكتاب واحرص بشدة على تذوق عصارة الفكر الجاد مهما كان مصدرها فيه إضافة حقيقة الى حركة الفكر وتساهم بفاعلية في حركة التنوير خاصة عندما تلقي باحجار مؤثرة في برك المياة الراكدة او الآسنة..
معرض الكتاب فرصة ثمينة وسانحة لاطلالة اكبر واشمل بما يوفره من حشد كبير لدور النشر العالمية والمحلية أيضا والتي تتخذ من المعرض متكئا لتقديم كل جديد وقادر على الصمود في معارك المنافسة الفكرية..
اسعدني كثيرا مشاركة عدد كبير من الزملاء في جريدتنا الغراء الجمهورية ومنافستهم بقوة بابداعات متميزة متفردة في مجالاتها المتنوعة وكانت بصمتهم واضحة في الندوات والمناقشات حول الإصدارات في سرايا معرض الكتاب التي ترعاها بكل حماس واريحية الهيئة المصرية العامة للكتاب ووزارة الثقافة..
**نبدأ مع موسيقى العقل وواحدة من اهم وابرز قضايا الحياة المعاصرة يناقشها الكتاب الذي يحمل العنوان الجميل..ومؤلفه د.كارل مارسي احد كبار الخبراء في علم الاعصاب الاجتماعي والاستهلاكي في العالم
الكتاب الأصلي بالإنجليزية قدم له ترجمة رائعة وبديعة الزميل احمد عبدالفتاح احد الكفاءات المتميزة في القسم الخارجي بالجمهورية.. تفوق احمد على نفسه باقتدار في اول عمل مترجم له تنشره دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات..عزف سيمفونية مع المؤلف لم تشعرالقارئ اطلاقا بان الكتاب مترجم وكأنه اندمج مع الكاتب فكرا ورؤية وعرضا للمادة شديدة الثراء والاهمية.. العنوان الأصلي معه جملة تفسيرية على الغلاف هي سؤال الساعة الذي يلح على عقل كل من يستخدم التكنولوجيا الحديثة ويتفاعل معها خاصة الهواتف المحمولة وأجهزة الكومبيوتر..السؤال هو: كيف يستعيد الدماغ السيطرة على ايقاعه في العصر الرقمي؟!
فصول الكتاب الثلاثة (415 صفحة من القطع المتوسط) تقودك في رحلة ممتعة وثرية مع كل ما يخطر على بالك من أسئلة عن منغصات التعامل مع التكنولوجيا واجابات عن اسئلة توضح كيف تسير الأمور مع اللعبة الرقمية التي شعر الكثيرون معها بحالة من الانفصال والتقوقع وربما امراض خطرة كثيرة تضرب صفوف المراهقين..
الجديد في الموضوع انه يعرض لحركة الدماغ والعقل وتفسير لعملية السيطرة والملاحقة المستمرة من خلال الاتصالات الفائقة..يكشف المؤلف ان عمليات السيطرة ليست عشوائية او عبثية ولكنها تتم بعد دراسات علمية للسوق والمستهلك وكيفية الاختراق وهناك شركات متخصصة.. والتنافس بين شركات الاتصالات والتكنولوجيا أيضا يتم بدراسات دقيقة وموجهة للسيطرة والاستحواذ..حتى وصلنا الى ان أصبحت ادمغتنا تعاني حالة من الالهاء الرقمي بسبب الافراط في استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي التي غيرت تشكيلة الوصلات العصبية داخل ادمغتنا مستغلة حاجتنا الفطرية الى التواصل الحميمي والعاطفي..
استعادة التوازن بين التكنولوجيا والحياة هدف رئيسي لكي يتحقق لابد من تغيير العادات والسلوكيات للحفاظ على قشرة الجبهة الدماغية..ببساطة كما يقول المؤلف:عندما تغير عاداتك تغير دماغك..
** الزميل مختار معتمد يتألق للعام الثاني على التوالي فبعد كتابه عن القضاء العرفي يقدم اليوم كتابا مثيرا عن الجريمة واصدائها في حقبة الثمانينيات التي طغت عليها المواجهات مع الإرهاب وما صاحبها من مآس على الأصعدة المختلفة .
الكتاب عنوانه دفتر احوال الثمانينات والتسعينيات.. جرائم لم ترصدها الكاميرات صادر عن دار نشر كلمة ..الاوراق كما يقول المؤلف من دم ولحم ومليئة بحوادث الدم الحرام واللحم الرخيض لانها اوراق حقيقية من دفتر احوال الشرطة روى جزء منها ضباط مباحث حققوا فيها وصحفيين تابعوها وكان هو شخصيا واحدا منهم..
يتوقف امام ابرز الجرائم التي هزت الرأي العام في تلك الفترة ويقارن بينها وبين الجرائم في عقدي الستينات والسبعينات واثر المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في الجريمة وكيفية معالجة الصحف ووسائل الإعلام لها ..
** سعدت كثيرا بالنقلة النوعية التي حققها زميلنا محمد جاب الله..بعد ثلاث روايات سابقة يقتحم المعرض هذا العام بروايتين مهمتين واحدة اجتماعية سياسية فولباتير والهانم.. عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع..والثانية من الخيال العلمي روبوتو – بوت الحارة.. عن دار حابي للنشر والتوزيع..
جاب الله في رحلة الهروب الكبير من عالم الاخبار وصراع السياسة والأحزاب واللجوء الى الرواية يجد نفسه غارقا في صراعات اكثر تعقيدا وينجح في تقديم صورة حية وواقعية للتنافس الحاد وصراع المصالح وأصحاب المال والنفوذ .. مكنته لغته الرصينة وقدرته على تطويعها مع الشخصيات المعقدة حينا السهلة البسيطة أحيانا ليجد القارئ نفسه اما جراحة مقطعية لعينات حقيقية تراها تتحرك امامك على مسرح الحياة..
تدور أحداث الرواية في عالم تختلط فيه المبادئ بالمصالح وتصبح المجوهرات رمزًا ليس كزينة أو ثراء بل علامة على زمنٍ مضطرب تختلطت فيه الحقائق وتتبدّل الموازين ومع تصادم هذه العوالم تتشابك مصائر الشخصيات وتطرح الرواية أسئلة أخلاقية حول ثمن المبدأ وحدود التنازل.
اما رواية «روبوتو – بوت الحارة فتنتمي إلى أدب الخيال العلمي الفلسفي تمزج بين السرد الإنساني العميق والكوميديا الاجتماعية والتأمل في أثر التكنولوجيا على المجتمعات الشعبية..
تألق جاب الله في عالم الرواية ينبئ عن موهبة كبيرة على الطريق سيكون لها شان كبير..انتظروها..
** ومسك الختام مع الزميل العزيز شريف قنديل نائب رئيس تحرير الجمهورية يتحفنا هذه الدورة بابداع جديد بكتاب يعتبره الأول له في أدب الرثاء بعنوان “أغصان شجرة الغمام”!
وينطلق في مرثياته من فلسفة تجمع بين رثاء الحال والاحوال ورثاء الأحباب الراحلين.. رثاء لقيم انسانية رحلت مع الأحباء.. شهامة وأصالة ونضالا ونبلا وكدحا وجمالا وابداعا ومعرفة.. وكما يقول:من الرثاء والدموع.. تنبت بهجة الحياة..
يوضح شريف انه تعرف على الرثاء طفلا وهو يستمع لصوت الشيخ إمام باكيا وناعيا المناضل الكوبي تشي جيفارا وتأثر به حد البكاء وكأن جيفارا فرد من العائلة وكأن كوبا هي فلسطين..
وفي تلك الحقبة مات الزعيم جمال عبد الناصر وكان أبوه يطلب منه أن يقرأ له قصيدة الشاعر نزار قباني “قتلناك يا آخر الأنبياء.. قتلناك يا آخرالأ نبياء ,,ليسَ جديداً علينا اغتيالُ الصحابةِ والأولياء..فكم من رسولٍ قتلنا.. وكم من إمام ذبحناهُ وهو يصلّي صلاةَ العشاءْ فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ .. وأيامُنا كلُّها كربلاء..
بالتوفيق لكل المبدعين وفي انتظار المزيد..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










