بعد ساعات قليلة من تسلم إسرائيل جثة آخر أسير لها في غزة عقد رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو مؤتمرا صحفيا أكد فيه أنه لن يسمح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة، أو في أي قطعة أخرى من أرض إسرائيل، “هذا لم يحدث ولن يحدث”، وأن حكومته ستفرض سيطرتها الأمنية من النهر إلى البحر، أي على أرض فلسطين التاريخية، بما فيها الضفة الغربية التي وعد الرئيس الأمريكي ترامب الوسطاء العرب والمسلمين بعدم السماح لإسرائيل بضمها، لحين بحث إقامة دولة فلسطينية.
الغريب أن ترامب لم يعقب على كلام صديقه نتنياهو الذي يصطدم مباشرة بوعده الرسمي في مشروع السلام الذي يقوم بهندسته في غزة، ويصطدم أيضا مع التعهد الأمريكي القديم بحل الدولتين، مع أنه لا يترك شاردة ولا واردة إلا عقب عليها، وهدد وتوعد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالجانب الفلسطيني، وبدلا من التعقيب أعلن دعمه التام لإسرائيل، واتفاقه الكامل مع نتنياهو في ضرورة نزع سلاح حماس طوعا أو كرها.
الآن صار لدينا وعدان أمريكيان متناقضان؛ الأول عدم السماح لإسرائيل بضم الضفة الغربية وغزة والسير في طريق ربما ينتهي بقيام دولة فلسطينية، والثاني دعم إسرائيل دعما كاملا حتى تحقق أهداف نتنياهو، التي تقضي على حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، فأي الوعدين أحق عند ترامب بالالتزام، وهو الذي ينتفخ زهوا عندما يوصف بأنه أول رئيس يهودي لأمريكا، وعندما يتذكر أنه منح الجولان لإسرئيل مجانا بجرة قلم، وهي تساوي مليارات الدولارات، وينتظر منها في المقابل أن تمنحه غزة مجانا ليقيم عليها مشروعه الاستثماري (ريفييرا الشرق)؟
يحدثنا التاريخ أن بريطانيا العظمى واجهت الاختبار نفسه بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، حيث كانت قد أعطت وعدا للشريف حسين والي مكة بتنصيبه ملكا على الدولة العربية المستقلة شرقي البحرالمتوسط مقابل إشعال الثورة العربية الكبرى على السلطان العثماني وطرد الأتراك المتحالفين مع ألمانيا من الجزيرة العربية، وفي الوقت ذاته وقعت سرا مع فرنسا على معاهدة (سايكس / بيكو) لتقسيم تركة الدولة العثمانية بينهما، كما منحت وعدا لعراب المشروع الصهيوني اللورد روتشيلد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وبعد انتهاء الحرب أعطت ظهرها للشريف حسين، والتزمت بتقاسم التركة مع فرنسا، وأوفت بوعدها المشئوم للصهاينة على حساب العرب.
هذه الخيانة البريطانية التاريخية سجلها العقيد توماس إدوارد لورانس ضابط المخابرات في القيادة العليا للجيوش البريطانية بالقاهرة في كتابه (أعمدة الحكمة السبعة)، وكان مكلفا من قبل بريطانيا بدعم ثورة الشريف حسين وتسليح قواته وتدريبها وقيادتها، وعرف تاريخيا باسم (لورانس العرب)، وأنتجت هولييود في الستينيات فيلما باسمه تخليدا لقصته، ولدوره في هزيمة الإمبراطورية العثمانية بأيد عربية.
يقول لورانس في كتاب (أعمدة الحكمة السبعة): “لم أكن قد اطلعت مطلقا بصورة رسمية أو شخصية على معاهدة (سايكس / بيكو)، ولا على الوعود التي قطعها السير هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر أثناء الحرب للشريف حسين بإقامة دولة عربية مستقلة مقابل الثورة على العثمانيين ومساندة بريطانيا وحلفائها في الحرب، فالمعاهدة تمت عن طريق الخارجية البريطانية، وكذلك وعد بلفور، وبما أنني لم أكن أحمق فقد رأيت أن وعودنا التي قطعناها للعرب إذا كسبنا الحرب ستبقى حبرا على ورق، وكان علي ـ لو كنت مستشارا شريفا ـ أن أنصح رجال حسين بالعودة إلى ذويهم وديارهم بدلا من المخاطرة بحياتهم في سبيل خداع من هذا النوع بعد أن انكشف أمر (سايكس/ بيكو)، لكن الحماسة العربية كانت أفضل أداة نستخدمها في حربنا، وهذا الأمر هو الذي جعلني أؤكد لرفاق السلاح العرب أن إنجلترا ستحترم وعودها نصا وروحا، وما إن سمع الثوار العرب هذا الوعد مني حتى دبت فيهم الحماسة من جديد، وراحوا يحاربون بشجاعة فائقة، أما أنا فقد كان يلازمني شعور كبير بالخجل لأن ما قلته لا قيمة عملية له مع انتهازية الدول الكبرى”.










