تراجع الحب في نفوسنا ، تلك النفوس التي كانت مثل حديقة غناء وارفة الظلال ، في كل بقعة منها عريشة ياسمين ، أو أيكة من شجر البرتقال ، أو مظلة من الفل ، ويغطي أرضها أبسطة من العشب البازغ اليانع ، السندسي الأخضر الساحر ، فاستحالت اليوم تلك النفوس إلي صحراء تعوي في مداها رياح السموم ، وتصهر شمسها الرمال المتناثرة الممتدة عبر الأفق !!.
تراجع الحب ، فماعادت تعانق أسماعنا أغنية رومانسية تحكي لوعة العشاق ، واشتياق المُحبين ، ولا تستمتع عيوننا بمتابعة قصة حب ملتهبة ، تروي حكاية شاب فقير أحب بنت الأكابر الأثرياء وأحبته ، وعاشا لحظات خفقان القلب والتهاب الأنفاس وانسكاب الدموع ، عاشا لحظات لهفة اللقاء وحسرة الوداع ، ثم حالت الدنيا دون اجتماعهما ، وعاندت الأقدار حبهما ، فتفرقا ، وسار كُلٌ في طريق !!.
تراجع الحب ، ومذ تراجع الحب طغت علي النفوس روح الكراهية ، والعداوة ، والتوحش ، والأنانية ، وصرنا جزراً معزولة ، لا يطيق كل منا الآخر ، نقف فوق صفيح ساخن ، يكوي أقدامنا ، وسادت روح الانتقام ، والتشاحن والتشاجر لأتفه الأسباب ، وصرنا نبدع في تعذيب مَن يختلف معنا ، ونستسهل القطيعة والخصام ، وتمزيق أواصر المودة والوئام !!.
تراجع الحب ، ففقدت العلاقات روحها ، والعبادات صدقها ، والبسمة ثغرها ، والمُصافحة حرارتها ، والدموع ، حتي الدموع تحجرت في مآقيها ، فصارت عصية علي الفيضان !!.
تراجع الحب ، ففرت الطيور من أعشاشها ، وهربت العصافير من أغصانها ، وكفت البلابل والعنادل عن غنائها وشدوها ، وخاصمت الحمائم هديلها ، وساد في الغابة صراخ البوم ونعيق الغربان ونباح الكلاب ونهيق الحمير وعواء الذئاب ، مما ينذر بخطر داهم ، إذا ماعاد الحب يستوطن النفوس المُتيبسة ، ويعمر القلوب المُتكلسة ، ويرطب الأرواح المُتصلبة ، مثلما كنا إلي عهد قريب !!.










