إن العدالة الحقيقية لا تقاس بعدد المؤتمرات الصحفية ولا بحجم التغطية الاعلامية بل بقدرتها على أن تقول بوضوح لا أحد أكبر من المساءلة ولا أسم يعلو فوق الكرامة ولا نفوذ يحصن صاحبة من السؤال .. ان المجتمعات التى تحمى الاقوياء على حساب الضعفاء لا تخسر ضحاياها فقط .. بل تخسر ثقتها بنفسها تخسر يقينها بأن القانون وجد ليحمى الجميع لا ليدار وفق ميزان العلاقات.
ستبقى الكرامة الإنسانية هى الميزان الوحيد الذى تقاس به حضارة الأمم وليس بريق المؤتمرات أو ضخامة المؤسسات والنفوذ المالى إن حماية الضعفاء ليست مجرد شعار يرفع فى المناسبات بل هى عهد غليظ والتزام أخلاقى وقانونى لا يسقط بالتقادم .. لم تكن قضية جيفرى إبستين مجرد فضيحة جنسية أو قضية جنائية , بل أصبحت تدريجيا رمزا لأزمة أخلاقية عميقة وتناقض فى إدعاء الدفاع عن حقوق الانسان فى الغرب .
رجل ظل لسنوات يتردد على قلب شبكة السلطة والثروة والسياسة فى أمريكا , اتهم بتنظيم الإعتداء الجنسى على قتيات مراهقات .. التقى بشخصيات سياسية وأكاديمية واقتصادية بارزة وتوطتد علاقته بها واستضاف النخب فى منزله وجزيرته الشيطانية .
قد بينت الوثائق المفرج عنها حديثا كيف يقتات هؤلاء على ماذا وكيف يجتمعون على ولائم الأزمات التى يصنعونها ويحتكرون السوق وكيف تتراكم الثروة الى حد التخمة فيما توزع الكلفة على الاجساد الأضعف التى يشتهونها – ممارسات طقوسية دموية نازية فاشية وتداخل بين المال والنفوذ والسياسة , من المؤلم أن نرى شخصيات نافذة تقدم للرأى العام كرموز للديمقراطية والتحضر , بينما تنسب إليها سلوكيات تنتمى الى عالم غرائزى متوحش هذه الاتهامات تشير الى ارتكاب جرائم بشعة بحق فتيات قاصرات جرت بلا شفقة أو رحمة وفى غياب تام لأدنى إحساس بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية ..كيف أمكن لشبكات نفوذ بهذا الاتساع أن تتحرك دون مساءلة حقيقية وكيف تقاطعت مصالح السياسة والمال والإعلام لإخفاء أو تأجيل كشفها لقد علمتنا ساحات القانون أن النصوص الجامدة لا تكفى وحدها لتحقيق العدالة بل إن الضمير هو الذى يمنح هذه النصوص روحها وتأثيرها فإذا سقط الضمير الإنسانى , لم يبق من القانون إلا حبر على ورق وتلاشت الحماية التى يفترض أن يوفرها للمجتمع.
فى نهاية المضاف تظل قضية جيفرى إبستين صرخة فى وجه الضمير العالمى وتذكيرا بأن العدالة الحقيقية هى التى لا تستثنى احدا . إن بناء عالم مستقر يتطلب العودة الى الجذور الأخلاقية للقانون .. حيث تكون كرامة الفرد هى الغاية والهدف الاسمى لكل تشريع .
المحامى ــ مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










