تبرز وثائق إبستين كنموذج صارخ لفساد النظم التى يدعى الغرب فيها التقدم والحداثة , فى ظل هذه الفضيحة نرى بوضوح التشوهات العميقة التى تعانى منها المجتمعات التى تدعى الريادة والدفاع عن حقوق الانسان وهى فى الحقيقة بعيدة كل البعد عن القيم الاخلاقية والإنسانية
لم تكن وثائق جيفرى إبستين مجرد أوراق قضائية كشف عنها فى توقيت متأخر بل جاءت كمرأة قاسية تعكس حجم الانهيار الأخلاقي الذى يمكن أن يصيب النخب حين تجتمع السلطة بالمال وتغيب المساءلة القانونية .
كشفت قضية إبستين عن انهيار أخلاقي وغياب تام للوازع الأخلاقي حيث تم استغلال النفوذ والثروة لإشباع رغبات شخصية شاذة دون أى مراعاة لكرامة الضحايا أو القوانين .حيث تحولت الثروة من وسيلة للعمران والانتاج الى أداة للاستغلال والفساد .
الجهل الأخلاقي لا يعنى هنا عدم المعرفة بل على العكس تماما . معرفة كاملة يتعمد تجاهلها أسماء معروفة , دوائر نفوذ , علاقات سياسية واقتصادية كلها كانت تدرك- أو كان يجب ان تدرك طبيعة ما يجرى ومع ذلك اختارت السكوت والصمت .
تكشف الوثائق أن الخطر الاكبر ليس الجريمة نفسها بل البيئة التى سمحت لها بالاستمرار سنوات طويلة دون ردع حين تعطل العدالة لآن المتهم ” شخص مهم” وحين تهمش الضحايا لأن الجناه محميون ويتحول القانون الى نص بلا روح وتتحول القيم الى شعارات للاستهلاك الإعلامى فقط .
الآخطر أن هذا النمط لا يخص دولة بعينها بل يعكس أزمة عالمية . ازمة نخب ترى فى النفوذ حصانه وفى المال مبررا وفى العلاقات شبكة أمان وهنا يصبح الجهل الأخلاقي سياسة غير معلنة لا تقوم على إنكار الحقيقة بل على افراغها من أثارها .
إن اخطر ما فى هذه القضية انها تفضح خللا فى منظومة القيم حيث يدان الفعل نظريا بينما تحمى الفاعل عمليا وحين يحدث ذلك لا تصبح الجريمة استثناء بل نتيجة منطقية لنظام فقد بوصلته الأخلاقية , ان الصور والملفات التى تكشف عن سلوكيات مخزية تعكس انهيار القيم الاخلاقية التى كان من المفترض أن تكون الركيزة الاساسية لدول تدعى الريادة الانسانية الذى تحدثت عنه كثيرا فهى تبرهن كيف يمكن للسلطة والمال ان يخلفا “عالما موازيا ” فوق القانون والمساءلة .
لقد أن الأوان لإعادة النظر فى تلك الحضارات الزائفة التى ظلت لعقود طويلة تدعى انها النموذج الاسمى للتقدم والإنسانية بينما تخفى خلف بريقها ازمات اخلاقية وانسانية عميقة .
المحامى ــ مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










