يُعدّ التفريق بين المونودراما والون مان شو ضرورةً مفاهيمية في الدراسات المسرحية المعاصرة، لما يحمله كلّ منهما من خصوصية جمالية ووظيفية تتجاوز مجرّد كونهما عرضين يؤديهما ممثل واحد.
أولاً: المونودراما
تُعرَّف المونودراما في الحقل الأكاديمي بوصفها شكلاً درامياً مكتوباً لشخصية واحدة، يقوم على بنية نصّية واضحة تتوافر فيها عناصر الصراع، والتنامي الدرامي، والتحوّل، وصولاً إلى ذروة أو انكشاف. وهي ليست مجرد “عرض فردي”، بل هي بنية مسرحية مكتملة، تتقاطع مع تقاليد المسرح النفسي الذي تأثر بمنهج قسطنطين ستانيسلافسكي، حيث يحتلّ الصراع الداخلي وتحليل البعد السيكولوجي للشخصية موقعاً مركزياً.
المونودراما قد تكون تراجي…
[2:50 am, 18/02/2026] Drkamal Younes: المسرحي الجزائري قندوزة يوسف ردا على مقال : د.كمال يونس الناقد المسرحي والمبدع والرائع
فيما يخص
المونودراما والون مان شو هما شكلان مسرحيان يعتمدان على ممثل واحد، لكنهما يختلفان في طبيعة
يُعدّ التفريق بين المونودراما والون مان شو ضرورةً مفاهيمية في الدراسات المسرحية المعاصرة، لما يحمله كلّ منهما من خصوصية جمالية ووظيفية تتجاوز مجرّد كونهما عرضين يؤديهما ممثل واحد.
أولاً: المونودراما
تُعرَّف المونودراما في الحقل الأكاديمي بوصفها شكلاً درامياً مكتوباً لشخصية واحدة، يقوم على بنية نصّية واضحة تتوافر فيها عناصر الصراع، والتنامي الدرامي، والتحوّل، وصولاً إلى ذروة أو انكشاف. وهي ليست مجرد “عرض فردي”، بل هي بنية مسرحية مكتملة، تتقاطع مع تقاليد المسرح النفسي الذي تأثر بمنهج قسطنطين ستانيسلافسكي، حيث يحتلّ الصراع الداخلي وتحليل البعد السيكولوجي للشخصية موقعاً مركزياً.
المونودراما قد تكون تراجيدية أو كوميدية، لكنها في الحالتين نصّ منضبط، يخضع لرؤية إخراجية، ولتصميم فضائي، ولإيقاع محسوب. وهي، من منظور جمالي، تختبر قدرة الممثل على بناء عالم درامي كامل عبر جسده وصوته وخياله، دون أن تفقد الصرامة البنيوية للنص.
ثانياً: الون مان شو (One Man Show)
أما الون مان شو فهو عرض أدائي أقرب إلى الفنون الفرَجوية المعاصرة، يرتكز على الحضور الكاريزمي للمؤدي، وعلى التفاعل المباشر مع الجمهور، وغالباً ما يعتمد على الارتجال والكوميديا والمفارقة الساخرة. جذوره الحديثة تمتد إلى تقاليد الـ Stand-up Comedy في الفضاءات المفتوحة أو المسارح الصغيرة، وقد يتناول قضايا اجتماعية وسياسية بلغة خفيفة أو نقد ساخر.
هنا لا يكون النص الدرامي هو المركز، بل الأداء اللحظي والتفاعل الآني، مما يجعله أقرب إلى خطاب أدائي منه إلى بنية درامية تقليدية.
ثالثاً: في مسألة “التكوين” وأداء الشخصيات المتعددة
القول إن المونودراما هي “تكوين على القدرات المكتسبة لأداء عدة شخصيات” يحتاج إلى تدقيق. فالمونودراما في تعريفها الدقيق لا تعني بالضرورة تجسيد عدة شخصيات، بل قد تظلّ شخصية واحدة تتشظّى داخلياً عبر مستويات الوعي والذاكرة. أما تقنيّة تقمّص شخصيات متعددة داخل عرض فردي فهي خيار إخراجي أو أدائي، وليست شرطاً بنيوياً.
وهنا يمكن استحضار تجربة جيرزي غروتوفسكي في “المسرح الفقير”، حيث يُختزل العرض في الممثل بوصفه جوهر العملية المسرحية، دون زخرف تقني، لكن مع عمق روحي وجسدي بالغ.
رابعاً: الفرق في الهدف والوظيفة
المونودراما: وظيفة جمالية وفكرية، تسعى إلى طرح سؤال وجودي أو اجتماعي عبر صراع درامي مكثّف.
الون مان شو: وظيفة ترفيهية نقدية، تهدف إلى الإضحاك أو التفريغ أو التعليق الساخر على الواقع.
غير أنّ هذا التفريق ليس قاطعاً؛ فقد يتقاطع الشكلان في بعض التجارب المعاصرة، حيث تتسرّب تقنيات الارتجال إلى المونودراما، كما قد يتخذ الون مان شو بعداً درامياً عميقاً.
في الأخير/
الاختزال في فكرة “ممثل واحد” لا يكفي لتعريف الشكل المسرحي. فالمعيار الحقيقي يكمن في البنية الدرامية، وطبيعة النص، ووظيفة العرض، وعلاقته بالجمهور. المونودراما جنس مسرحي درامي مكتمل، بينما الون مان شو نمط فرجوي أدائي مرن.
ومن هنا، فإن التمييز بينهما ليس مجرد تصنيف تقني، بل هو وعي بطبيعة الخطاب المسرحي نفسه: هل نحن أمام دراما تتكثف في ذات واحدة، أم أمام أداء فردي يستثمر الكوميديا والتفاعل المباشر؟










